2026-08-08

حين يصبح الإعلام سؤالًا عن المجتمع قراءة في كتاب «الإعلام وقضايا الاندماج والتنوع في العالم العربي»

الصحافة اليوم:عادل البرينصي
لم يعد السؤال الذي يواجه الإعلام العربي اليوم هو كيف ينقل الخبر، ولا كيف يواكب الثورة الرقمية، ولا حتى كيف ينافس المنصات العالمية. فهذه الأسئلة، على أهميتها، أصبحت تدور حول الوسيلة أكثر مما تدور حول المجتمع. أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو: كيف يساهم الإعلام في إنتاج المجتمع الذي يعيش فيه؟ وكيف يشارك، بقصد أو من دونه، في بناء الهويات أو هدمها، وفي توسيع دوائر الاندماج أو تعميق مساحات الإقصاء؟
هذه هي الأرضية التي يقف عليها كتاب «الإعلام وقضايا الاندماج والتنوع في العالم العربي»، الصادر سنة 2026 عن سوتيميديا للنشر والتوزيع في تونس، باعتباره ثمرة مشروع بحثي عربي محكّم شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين من جامعات عربية مختلفة، بدعم من مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار. وليس من قبيل المصادفة أن يحظى هذا العمل بندوة علمية احتضنتها تونس بتنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالشراكة مع مخبر الإعلام والاتصال والسياقات الانتقالية وفريق بحث «الاتصال السياسي والعمومي» بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة، لأن الكتاب لا يقدم مجرد حصيلة أبحاث، بل يفتح نقاشًا عربيًا طال انتظاره حول علاقة الإعلام بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المنطقة.
ما يميز هذا الكتاب أنه لا يتعامل مع التنوع بوصفه ملفّا خاصّا بالأقليات، ولا ينظر إلى الاندماج باعتباره شأنًا يخص المهاجرين وحدهم، بل يضعهما في قلب سؤال الدولة والمجتمع والإعلام معًا. فالهوية لم تعد معطى ثابتًا، بل أصبحت عملية اجتماعية متحركة، والإعلام لم يعد مرآة تعكس هذه العملية، وإنما تحول إلى أحد أبرز الفاعلين في تشكيلها.
وهنا تكمن أهمية هذا العمل الجماعي. فبدل أن ينشغل بتوصيف الظواهر، يحاول أن يفهم الآليات التي تجعل من الإعلام قوة اجتماعية تنتج الاعتراف كما تنتج التهميش، وتمنح الصوت لفئات، بينما تدفع أخرى إلى هامش الصورة.
منذ الفصل الأول، الذي يقدمه الباحث التونسي جمال زرن، يشعر القارئ أنه أمام محاولة لتأسيس مقاربة عربية جديدة في دراسة إعلام الأقليات، لا تقوم على وصف وسائل الإعلام، بل على مساءلة الأطر النظرية التي حكمت هذا الحقل منذ نشأته. ويعيد الكاتب النقاش إلى مدارس علم الاجتماع والاتصال، من الوظيفية إلى الدراسات النقدية والثقافية، ليبين أن العلاقة بين الإعلام والأقليات ليست علاقة تغطية إعلامية فحسب، بل علاقة إنتاج للتمثلات والرموز والمعاني. فالصحافة التي اعتبرتها المدرسة الوظيفية أداة لاندماج المهاجرين، تصبح في المقاربة النقدية فضاءً لإعادة إنتاج الهيمنة أو مقاومتها، بينما تذهب الدراسات الثقافية إلى أبعد من ذلك عندما تجعل الإعلام أحد أهم منتجي الهوية المعاصرة.
ولا يقف الكتاب عند هذا التأصيل النظري، بل ينتقل مباشرة إلى سؤال يبدو أكثر راهنية: ماذا فعل الفضاء الرقمي بالأقليات؟
لقد كانت الأقليات، عبر التاريخ، تبحث عن نافذة تطل منها على المجال العام، غير أن هذه النافذة كانت دائمًا خاضعة لموازين القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية. أما اليوم، فقد تغير المشهد جذريًا. فوسائل التواصل الاجتماعي منحت جماعات كثيرة فرصة صناعة خطابها بنفسها، وتقديم روايتها الخاصة، والدفاع عن قضاياها بعيدًا عن احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية.
لكن الكتاب لا يقع في فخ الاحتفاء الساذج بالتكنولوجيا. فهو لا يعتبر المنصات الرقمية فضاءً مثاليًا للمساواة، وإنما يراها ساحة جديدة للصراع. صحيح أنها فتحت الباب أمام أصوات كانت غائبة، لكنها في الوقت نفسه أنتجت أشكالًا جديدة من الاستقطاب، وخطابات الكراهية، والانعزال داخل جماعات رقمية مغلقة، بحيث أصبح الاندماج نفسه يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في القدرة على العيش داخل فضاء إعلامي متخم بالهويات المتنافسة.
ويقدم الباحث سالم لبيض واحدة من أكثر المقاربات إثارة للاهتمام عندما يدرس ما يسميه «الأقليات الرقمية»، مبرزًا كيف تحولت المنصات الإلكترونية إلى فضاءات يعيد فيها المهمشون تعريف ذواتهم، وينتجون خطابًا مضادًا للصور النمطية التي رسمها الإعلام التقليدي. غير أن هذه القدرة على إنتاج الذات لا تعني بالضرورة تحقيق الاندماج، لأن العالم الرقمي، كما يبين الكتاب، قادر أيضًا على صناعة عزلات جديدة، تتحول فيها الجماعات إلى جزر متجاورة لا تتواصل إلا مع من يشبهها.
وتكتسب هذه الفكرة بعدًا أكثر عمقًا مع دراسة الباحثة حميدة البور حول المهاجرات العربيات في الإعلام الدولي والشبكات الرقمية. فهي لا تنظر إلى المرأة المهاجرة باعتبارها رقمًا في إحصاءات الهجرة، بل باعتبارها فاعلًا اجتماعيًا يعيد بناء هويته كل يوم بين مجتمعين، وثقافتين، وذاكرتين. وتكشف الدراسة أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت فضاءً لإعادة تشكيل الانتماء، والتفاوض المستمر بين الرغبة في الاندماج والحفاظ على الهوية الأصلية. إنها ليست معركة بين ثقافتين، بقدر ما هي محاولة يومية للتوفيق بينهما.
وهكذا، ومنذ الصفحات الأولى، ينجح الكتاب في نقل النقاش من سؤال: كيف يتحدث الإعلام عن الأقليات؟ إلى سؤال أكثر جرأة: كيف يعيد الإعلام إنتاج المجتمع نفسه؟ وهو انتقال يجعل القارئ يدرك أن القضية ليست إعلامًا فحسب، بل مستقبل المجال العام العربي في زمن تتقاطع فيه الهجرة، والهوية، والعولمة، والثورة الرقمية.
من الخليج إلى المغرب العربي… حين يتحول التنوع إلى اختبار لسياسات الإعلام والهوية
إذا كان الباب الأول من الكتاب قد انشغل بتأسيس الإطار النظري للعلاقة بين الإعلام والتنوع، فإن البابين الثاني والثالث ينتقلان من التنظير إلى اختبار الفرضيات على أرض الواقع. وهنا تتجلى إحدى أهم مزايا هذا العمل؛ فهو لا يكتفي بإطلاق الأحكام العامة، بل يضع القارئ أمام مختبر عربي واسع يمتد من الخليج إلى المغرب العربي، مرورًا بالعراق والسودان واليمن، ليؤكد أن اختلاف الجغرافيا لا يلغي وحدة الأسئلة.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أن الباحثين لا يتعاملون مع الهجرة باعتبارها مجرد انتقال للأفراد من مكان إلى آخر، بل باعتبارها انتقالًا للغات، والرموز، والعادات، وأنماط الاستهلاك الإعلامي، أي انتقالًا لثقافات كاملة تبحث عن مكان لها داخل المجال العام للدول المستقبلة. ومن هنا يصبح الإعلام، مرة أخرى، طرفًا في عملية الاندماج، لا مجرد شاهد عليها.
في هذا السياق، يخصص عدد من الباحثين دراسات معمقة لتجربة دول الخليج، بوصفها واحدة من أكثر البيئات العربية تنوعًا من الناحية الديمغرافية والثقافية. ويكشفون كيف أدى الحضور الكثيف للعمالة الوافدة إلى ظهور مشهد إعلامي متعدد اللغات والثقافات، لم يعد يخاطب جمهورًا واحدًا، بل جماهير متباينة في المرجعيات والانتماءات والاحتياجات. وتبرز هذه الدراسات أن الإعلام الموجه إلى الجاليات لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح جزءًا من إدارة التنوع الاجتماعي، ومن المحافظة على التوازن بين حق المقيمين في التعبير عن هوياتهم، وحق المجتمعات المضيفة في حماية تماسكها الثقافي.
لكن الكتاب لا يقع في إغراء تصوير هذا التنوع بوصفه حالة مثالية. فهو يذكّرنا، بطريقة غير مباشرة، بأن التعددية ليست قيمة في حد ذاتها إذا لم تصاحبها سياسات إعلامية عادلة. فوجود وسائل إعلام بلغات متعددة لا يعني تلقائيًا وجود تمثيل منصف، كما أن إتاحة المنصات الرقمية لا تكفي لضمان الاعتراف بالآخر. فبين الاعتراف الشكلي والاعتراف الحقيقي مسافة طويلة، تملؤها التشريعات، وأخلاقيات المهنة، وثقافة المؤسسات الإعلامية.
ولهذا تبدو الدراسة التي يقدمها الباحث المغربي محمد كريم بوخصاص ذات دلالة خاصة، إذ تنتقل بالنقاش من مستوى المحتوى إلى مستوى الحوكمة. فالقضية، في نظره، ليست فقط كيف تتناول وسائل الإعلام الأقليات، وإنما كيف تنظم الدولة والمهنة هذا التناول، وما إذا كانت آليات التنظيم الذاتي والهيئات المستقلة قادرة على حماية التعددية ومنع التمييز وخطابات الإقصاء. وتخلص الدراسة إلى أن وفرة النصوص القانونية لا تكفي وحدها، إذا لم تتحول إلى ممارسات يومية داخل غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية. إنها ملاحظة تتجاوز الحالة المغربية، لتطرح سؤالًا عربيًا عامًا حول الفجوة بين التشريع والممارسة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الكتاب قيمة إضافية؛ فهو لا يقدم الإعلام باعتباره مؤسسة تقنية، بل باعتباره مؤسسة اجتماعية تعكس ميزان القوى داخل المجتمع. ولذلك فإن أي حديث عن التنوع لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن العدالة، ولا عن الحق في الظهور داخل الفضاء العام.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في الباب الأخير من الكتاب، حين تنتقل الدراسات إلى حالات عربية تكاد تختزل أزمات المنطقة بأكملها. ففي السودان، يصبح الإعلام جزءًا من صراع الهوامش من أجل البقاء والاعتراف. وفي العراق، يتحول إلى ساحة تتنازعها الهويات الوطنية والطائفية والإثنية في آن واحد. أما في الجزائر، فتطرح تجربة الإعلام الناطق بالأمازيغية سؤالًا بالغ الحساسية: كيف يمكن للإعلام أن يحمي الخصوصيات الثقافية دون أن يتحول إلى أداة لتكريس الانقسام؟ وفي دراسة الهجرة العابرة من دول جنوب الصحراء، يصبح الخطاب الإعلامي نفسه موضوعًا للتحليل، بما يحمله أحيانًا من صور نمطية وأحكام مسبقة تختزل الإنسان في صفته «مهاجرًا» أو «غريبًا»، بدل النظر إليه بوصفه فردًا كامل الحقوق والكرامة.
والمثير في هذه الفصول أنها لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكشف تعقيد الأسئلة. فليست المشكلة في وجود التنوع، وإنما في الطريقة التي يُدار بها هذا التنوع. والإعلام، كما توحي أغلب الدراسات، قادر على أن يكون جسرًا بين الجماعات المختلفة، لكنه قادر أيضًا على أن يتحول إلى جدار يفصل بينها. إنه يصنع الصورة، ومن يملك الصورة يملك، في كثير من الأحيان، القدرة على تحديد من ينتمي إلى الجماعة الوطنية، ومن يبقى على هامشها.
وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق لهذا الكتاب. فهو لا يدافع عن الأقليات بوصفها أقليات، ولا عن المهاجرين بوصفهم مهاجرين، وإنما يدافع عن فكرة أوسع هي حق الاختلاف داخل الفضاء العام. وهذا ما يجعل القضايا التي يناقشها تتجاوز الإعلام إلى الاجتماع والسياسة والثقافة والقانون.
ومع ذلك، يمكن للقارئ أن يتمنى لو توسع الكتاب في بعض القضايا المستجدة التي أصبحت تفرض نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج الصور النمطية، ودور الخوارزميات في صناعة «فقاعات رقمية» تعزز الانغلاق بدل الحوار، فضلًا عن تنامي ظاهرة التضليل الرقمي وخطابات الكراهية العابرة للحدود. صحيح أن بعض هذه القضايا تلوح في خلفية الدراسات، لكن حضورها المباشر كان سيمنح المشروع بعدًا استشرافيًا أكبر، خصوصًا وأن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد وسيط، بل أصبح بيئة كاملة يعاد داخلها تشكيل الرأي العام والهوية والذاكرة.
غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة العمل، بل تؤكد أنه نجح في وضع أساس معرفي يمكن البناء عليه. فالقيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في أنه جمع خمسة عشر باحثًا من تخصصات وبلدان مختلفة، بل في أنه نجح في جعلهم يتحدثون، رغم اختلاف موضوعاتهم، بلغة فكرية واحدة. لغة ترى أن الإعلام لم يعد قضية مهنية تخص الصحفيين وحدهم، وإنما أصبح أحد المفاتيح الكبرى لفهم المجتمعات العربية وهي تعيد تعريف نفسها وسط ضغوط العولمة، والهجرة، والتحول الرقمي، وتبدّل موازين الهوية والانتماء.
لقد اعتدنا أن نسأل: ماذا يقول الإعلام عن المجتمع؟ لكن هذا الكتاب يدفعنا إلى سؤال أكثر جرأة، وربما أكثر إزعاجًا: أي مجتمع يصنعه الإعلام كل يوم؟ وبين السؤالين تكمن المسافة التي تجعل من هذا الإصدار إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية، ومن قراءته ضرورة لكل من يريد أن يفهم أن معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يملك وسائل الإعلام، بل حول من يملك القدرة على تعريف الإنسان، ورسم حدود انتمائه، وتحديد من يستحق أن يكون حاضرًا في الصورة، ومن يُترك خارج إطارها.

‫شاهد أيضًا‬

تعاون تونسي ياباني في القطاع الصحي حين تطرق الدبلوماسية أبواب المستشفى

الصحافة اليوم:عادل البرينصي ليست كل الدبلوماسية تُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع أو البي…