تسريع البتّ في ملفات الصلح الجزائي: خطوة جادّة لاسترجاع أموال الشعب
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي
جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال استقباله رئيس اللّجنة الوطنية للصلح الجزائي علي عبّاس التأكيد على ضرورة الإسراع في البت في الملفات المعروضة على اللجنة، بعيدا عما وصفه بمتاهات الإجراءات التي يسعى إليها البعض لإطالة أمد القضايا أو للابتزاز المقنّع.
وشدد رئيس الجمهورية على أن حق الدولة التونسية في استرجاع أموال الشعب لن يسقط بالتقادم ولا بأي تحالف مع بقايا المنظومة القديمة، مؤكدا في الوقت ذاته أن التوجه لا يقوم على التشفي أو تصفية الحسابات، وإنما على استرداد الحقوق المشروعة لصالح الوطن.
ان عودة ملف الصلح الجزائي في تونس إلى واجهة المشهد السياسي من جديد من خلال هذه المتابعة الرئاسية المتواصلة تعكس إرادة سياسية جادة في إنضاج مسار كان قد تعثّر أكثر من مرة منذ صدور المرسوم المنظم له.
فالفكرة، التي كانت قد طرحها رئيس الجمهورية لأول مرة سنة 2012 قبل أن تتبلور قانونيا لاحقا، تقوم على مبدإ بسيط وعادل في آن واحد، وهو أن يقدّم كل من تورط في نهب المال العام إقرارا صريحا بما استولى عليه، مقابل إنهاء التتبعات القضائية بحقه وتوظيف الأموال المسترجعة في تمويل مشاريع تنموية بالجهات الأكثر تهميشا وفقرا. وقد أكد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة أن الأكثر تورطا في ملفات الفساد ينبغي أن يقيم استثماراته في المناطق التي أفقرتها سياسات سابقة أقصت جزءا واسعا من أبناء الشعب وهو ما يمنح المسار بعدا تنمويا وتعويضيا في آن، بعيدا كل البعد عن منطق العقاب أو التشفّي.
يُذكر أنه خلال شهر جوان الماضي، تمت إعادة بعث اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بتركيبة جديدة،إذ تم تعيين القاضي علي عباس، صاحب الخبرة القضائية في ملفات نزاعات الدولة رئيسا لها ومن ثم تمّ تعيين بقية أعضائها. وفي كل لقاءاته مع رئيس اللجنة، كان رئيس الجمهورية يكرر أن باب الصلح لا يزال مفتوحا أمام جميع المعنيين، سواء كانوا داخل البلاد أو خارجها، وسواء كانوا موقوفين أو فارين، داعيا إياهم إلى اغتنام هذه الفرصة الممنوحة لتسوية أوضاعهم بحسن نية وصدق، بعيدا عن المماطلة أو المساومة في مراوحة بين الحزم والمرونة.
ولا يخفى أن الرهانات المعلقة على الصلح الجزائي كبيرة، إذ أن نجاحه كفيل بإعادة مبالغ مالية معتبرة وهامة إلى خزينة الدولة في وقت تحتاج فيه المالية العمومية إلى موارد إضافية لتمويل برامج التنمية والتشغيل.
كما أن المسار بحدّ ذاته وفي جوهره يستجيب لأحد أبرز مطالب الثورة والمقصود بذلك هو استرجاع الأموال التي نهبت من الشعب على مدى عقود، وتوجيهها هذه المرة إلى من حرموا منها طويلا، أي سكان الجهات الداخلية والمناطق الحدودية التي عانت من التهميش والتفاوت التنموي.
فبدل أن تبقى هذه الأموال حبيسة قضايا معقدة تستغرق سنوات دون جدوى،فتح الصلح الجزائي بابا لإمكانية تحويلها مباشرة إلى مشاريع ملموسة، من بنية تحتية ومرافق صحية وتعليمية وفرص عمل، في مناطق طالما شعر أهلها بأنهم آخر من يستفيد من ثروات بلادهم.
صحيح أن الطريق لم يكن سهلا ، فقد مرت اللجنة بمحطات من التعثر وتغيير في القيادة أكثر من مرة منذ إحداثها سنة 2022، وهو أمر طبيعي في أي مسار إصلاحي جديد يتطلب تعديل الأدوات وتطوير آليات العمل كلما تبينت الحاجة إلى ذلك،غير أن المعطى الجديد اليوم هو توفر الارادة السياسية الثابتة و حرص أعلى هرم السلطة الواضح على متابعة الملف عن قرب وبشكل دوري، وربط نتائجه بمجلس الأمن القومي، وهو ما يجعل منه أولوية استراتيجية للدولة وليس مجرد إجراء إداري عابر كما أن التذكير المتكرر بأن لا الفرار ينفع ولا الأموال تشفع يرسل رسالة طمأنة لعموم المواطنين بأن مبدأ المحاسبة يبقى قائما ولا يمكن الالتفاف عليه، في الوقت الذي يفتح فيه الباب أمام حلول عملية وسريعة بدل الانتظار الطويل أمام المحاكم.
في المحصلة، يبدو أن الصلح الجزائي، بعد سنوات من التردد والتجريب، يدخل مرحلة جديدة أكثر وضوحا في الأهداف وأكثر إصرارا في التنفيذ. فهو ليس مجرد آلية قانونية لإنهاء نزاعات قضائية، بل مشروع مجتمعي يربط بين العدالة الانتقالية والتنمية العادلة بين الجهات، ويسعى إلى تحويل أموال الفساد من عبء على القضاء إلى رافعة حقيقية للتشغيل والاستثمار في المناطق الأولى بالرعاية،وإذا ما تواصلت هذه المتابعة الرئاسية الحثيثة بنفس الوتيرة، فإننا نكون أقرب من أي وقت مضى إلى طي صفحة من أعقد ملفات ما بعد الثورة، وفتح صفحة جديدة عنوانها استرجاع الحق العام وتوظيفه في خدمة من طال انتظارهم لنيل نصيبهم من ثروات بلادهم.
في إطار مسار إصلاحي متواصل: قريبا الإعلان عن مجلة شغل جديدة تواكب التحولات السريعة في سوق العمل
الصحافة اليوم:سميحة الهلالي صرّح وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر أ…

