الذهب يلتقط أنفاسه ..واستقرار الأسعار يعيد التوازن إلى السوق التونسية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
بعد أشهر من الارتفاعات القياسية التي دفعت أسعار الذهب في تونس إلى مستويات غير مسبوقة، بدأت السوق المحلية تدخل مرحلة أكثر هدوءاً. فقد تراجع سعر غرام الذهب عيار 18 إلى ما بين 350 و380 دينار بعد أن اقترب في وقت سابق من 500 دينار، ليستعيد السوق شيئاً من التوازن بعد موجة اتسمت بالمضاربة وارتفاع الطلب بفعل الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
ورغم أن الأسعار ما تزال مرتفعة مقارنة بمتوسطاتها التاريخية، فإن حالة الاستقرار الحالية تمثل تطوراً إيجابياً بالنسبة إلى المستهلكين والمهنيين على حد سواء، خصوصاً مع اقتراب مواسم الزواج وعودة الإقبال على اقتناء المصوغ، بعد أن دفعت الأسعار القياسية كثيراً من العائلات إلى تأجيل قرارات الشراء أو تقليص حجم المقتنيات.
ويفسر المختصون هذا التراجع بجملة من العوامل الدولية، أبرزها انخفاض أسعار الذهب في الأسواق العالمية مقارنة بالقمم التي بلغها في بداية العام، إلى جانب تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، وتحركات الدولار، وتراجع جزء من الطلب الاستثنائي على الذهب مع انحسار بعض عوامل التوتر التي كانت تغذي الإقبال على الأصول الآمنة. كما أن الذهب يبقى شديد الحساسية لتطورات السياسة النقدية الأمريكية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار غالباً إلى تقليص جاذبية المعدن الأصفر، بينما يحدث العكس عندما تتراجع الفائدة أو يضعف الدولار.
ويمثل هذا الاستقرار خبراً ساراً للمقبلين على الزواج، باعتبار أن الذهب يشكل عنصراً أساسياً في العادات الاجتماعية التونسية. فالانخفاض النسبي في الأسعار يخفف من الأعباء المالية على الأسر، ويمنحها هامشاً أوسع للتخطيط لمصاريف الزواج، كما ينعكس إيجابياً على نشاط محلات المصوغ التي شهدت خلال فترة الارتفاعات الحادة تراجعاً في حجم المعاملات بسبب عزوف عدد من الحرفاء.
أما بالنسبة للاقتصاد، فإن استقرار أسعار الذهب يحقق نوعاً من التوازن في السوق. فالارتفاعات الحادة، رغم أنها تفيد مالكي الذهب من حيث القيمة، تؤدي في المقابل إلى انكماش الطلب الاستهلاكي وإضعاف حركة التجارة في قطاع المصوغ. أما الأسعار المستقرة فتشجع التداول الطبيعي وتعيد الحيوية إلى نشاط الحرفيين والتجار، بما ينعكس إيجابياً على الدورة الاقتصادية.
وفي المقابل، يواصل الذهب محافظته على مكانته كأحد أهم أدوات الادخار وحفظ القيمة. فالتجارب الاقتصادية أثبتت أن المستثمرين والأسر يلجؤون إليه كلما ارتفعت مستويات التضخم أو ازدادت المخاطر المالية والجيوسياسية. ولهذا يوصف الذهب بأنه االملاذ الآمنب، لأنه يحافظ، على المدى الطويل، على جزء مهم من القوة الشرائية للمدخرات، حتى وإن تعرض لتقلبات ظرفية في الأسعار.
كما أن تحركات الذهب لا تؤثر في الأفراد فقط، بل تحمل دلالات اقتصادية أوسع. فارتفاع أسعاره عالمياً غالباً ما يعكس تزايد القلق بشأن الاقتصاد الدولي، بينما يشير تراجعه النسبي إلى تحسن شهية المستثمرين نحو الأصول الأخرى أو تغير توقعات السياسة النقدية. لذلك تتابع البنوك المركزية والحكومات تطورات سوق الذهب باعتبارها مؤشراً على اتجاهات الأسواق المالية وثقة المستثمرين.
وبالنسبة إلى تونس، فإن استقرار أسعار الذهب يخفف أيضاً من الضغوط على سوق المصوغ، ويساعد على استقرار قيمة المخزونات لدى التجار، كما يوفر رؤية أوضح للمتعاملين في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على الأسعار العالمية وسعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية.
غير أن هذا الهدوء لا يعني نهاية التقلبات. فالذهب يبقى من أكثر الأصول ارتباطاً بالأحداث الدولية. وأي تصعيد جيوسياسي، أو تغير في توجهات البنوك المركزية الكبرى، أو اضطراب في أسواق المال، قد يعيد الأسعار إلى مسار الصعود خلال فترة وجيزة. وتشير تحليلات الأسواق إلى أن المعدن الأصفر سيظل عرضة لتذبذبات مرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية، وتحركات الدولار، ومستوى المخاطر العالمية، حتى وإن كان الاتجاه الحالي يميل إلى قدر أكبر من الاستقرار مقارنة بالفترة الماضية.
وفي المحصلة، فإن المرحلة الحالية تبدو أكثر توازناً لسوق الذهب في تونس. فهي تمنح المستهلك فرصة أفضل للشراء، وتعيد النشاط إلى قطاع المصوغ، وتوفر قدراً أكبر من الاستقرار للمتعاملين في السوق. أما الذهب، فرغم انخفاضه النسبي، سيبقى أحد أهم مخازن القيمة في أوقات عدم اليقين، لأن مكانته لا ترتبط بسعره الآني فحسب، بل بالدور الذي يؤديه كلما واجه الاقتصاد العالمي أزمات جديدة.
مقاربة استباقية في متابعة وضعية السوق الأزمة التي لا تقع..هي أعظم نجاح للدولة
الصحافة اليوم : عادل البرينصي هناك نوعان من إدارة الأسواق. الأولى تنت…
