2026-08-12

تسريع‭ ‬البتّ‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الصلح‭ ‬الجزائي‭:‬ خطوة‭ ‬جادّة‭ ‬لاسترجاع‭ ‬أموال‭ ‬الشعب‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬سميحة‭ ‬الهلالي‭ ‬

جدّد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيّد‭ ‬خلال‭ ‬استقباله‭ ‬رئيس‭ ‬اللّجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬للصلح‭ ‬الجزائي‭ ‬علي‭ ‬عبّاس‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الإسراع‭ ‬في‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬المعروضة‭ ‬على‭ ‬اللجنة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عما‭ ‬وصفه‭ ‬بمتاهات‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭ ‬البعض‭ ‬لإطالة‭ ‬أمد‭ ‬القضايا‭ ‬أو‭ ‬للابتزاز‭ ‬المقنّع‭. ‬

وشدد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حق‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬استرجاع‭ ‬أموال‭ ‬الشعب‭ ‬لن‭ ‬يسقط‭ ‬بالتقادم‭ ‬ولا‭ ‬بأي‭ ‬تحالف‭ ‬مع‭ ‬بقايا‭ ‬المنظومة‭ ‬القديمة،‭ ‬مؤكدا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬التوجه‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التشفي‭ ‬أو‭ ‬تصفية‭ ‬الحسابات،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬استرداد‭ ‬الحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬لصالح‭ ‬الوطن‭.‬

‭ ‬ان‭ ‬عودة‭ ‬ملف‭ ‬الصلح‭ ‬الجزائي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المتابعة‭ ‬الرئاسية‭ ‬المتواصلة‭ ‬تعكس‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬إنضاج‭ ‬مسار‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تعثّر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬صدور‭ ‬المرسوم‭ ‬المنظم‭ ‬له‭.‬

فالفكرة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬طرحها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬سنة‭ ‬2012‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتبلور‭ ‬قانونيا‭ ‬لاحقا،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬بسيط‭ ‬وعادل‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬يقدّم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تورط‭ ‬في‭ ‬نهب‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬إقرارا‭ ‬صريحا‭ ‬بما‭ ‬استولى‭ ‬عليه،‭ ‬مقابل‭ ‬إنهاء‭ ‬التتبعات‭ ‬القضائية‭ ‬بحقه‭ ‬وتوظيف‭ ‬الأموال‭ ‬المسترجعة‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬تنموية‭ ‬بالجهات‭ ‬الأكثر‭ ‬تهميشا‭ ‬وفقرا‭. ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬أن‭ ‬الأكثر‭ ‬تورطا‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الفساد‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقيم‭ ‬استثماراته‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬أفقرتها‭ ‬سياسات‭ ‬سابقة‭ ‬أقصت‭ ‬جزءا‭ ‬واسعا‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المسار‭ ‬بعدا‭ ‬تنمويا‭ ‬وتعويضيا‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬بعيدا‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬العقاب‭ ‬أو‭ ‬التشفّي‭.‬

يُذكر‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬الماضي،‭  ‬تمت‭ ‬إعادة‭ ‬بعث‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬للصلح‭ ‬الجزائي‭ ‬بتركيبة‭ ‬جديدة،إذ‭ ‬تم‭ ‬تعيين‭ ‬القاضي‭ ‬علي‭ ‬عباس،‭ ‬صاحب‭ ‬الخبرة‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬نزاعات‭ ‬الدولة‭ ‬رئيسا‭ ‬لها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تمّ‭ ‬تعيين‭ ‬بقية‭ ‬أعضائها‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬لقاءاته‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة،‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬يكرر‭ ‬أن‭ ‬باب‭ ‬الصلح‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مفتوحا‭ ‬أمام‭ ‬جميع‭ ‬المعنيين،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬أو‭ ‬خارجها،‭ ‬وسواء‭ ‬كانوا‭ ‬موقوفين‭ ‬أو‭ ‬فارين،‭ ‬داعيا‭ ‬إياهم‭ ‬إلى‭ ‬اغتنام‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬الممنوحة‭ ‬لتسوية‭ ‬أوضاعهم‭ ‬بحسن‭ ‬نية‭ ‬وصدق،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المماطلة‭ ‬أو‭ ‬المساومة‭ ‬في‭ ‬مراوحة‭ ‬بين‭ ‬الحزم‭ ‬والمرونة‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬الرهانات‭ ‬المعلقة‭ ‬على‭ ‬الصلح‭ ‬الجزائي‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬نجاحه‭ ‬كفيل‭ ‬بإعادة‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬معتبرة‭ ‬وهامة‭ ‬إلى‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬إلى‭ ‬موارد‭ ‬إضافية‭ ‬لتمويل‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬والتشغيل‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المسار‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاته‭ ‬وفي‭ ‬جوهره‭ ‬يستجيب‭ ‬لأحد‭ ‬أبرز‭ ‬مطالب‭ ‬الثورة‭ ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬هو‭ ‬استرجاع‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬نهبت‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬وتوجيهها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬حرموا‭ ‬منها‭ ‬طويلا،‭ ‬أي‭ ‬سكان‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬والمناطق‭ ‬الحدودية‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والتفاوت‭ ‬التنموي‭. ‬

فبدل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬حبيسة‭ ‬قضايا‭ ‬معقدة‭ ‬تستغرق‭ ‬سنوات‭ ‬دون‭ ‬جدوى،فتح‭ ‬الصلح‭ ‬الجزائي‭ ‬بابا‭ ‬لإمكانية‭ ‬تحويلها‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬ملموسة،‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬ومرافق‭ ‬صحية‭ ‬وتعليمية‭ ‬وفرص‭ ‬عمل،‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬طالما‭ ‬شعر‭ ‬أهلها‭ ‬بأنهم‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬ثروات‭ ‬بلادهم‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلا‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬مرت‭ ‬اللجنة‭ ‬بمحطات‭ ‬من‭ ‬التعثر‭ ‬وتغيير‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬إحداثها‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مسار‭ ‬إصلاحي‭ ‬جديد‭ ‬يتطلب‭ ‬تعديل‭ ‬الأدوات‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬العمل‭ ‬كلما‭ ‬تبينت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،غير‭ ‬أن‭ ‬المعطى‭ ‬الجديد‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬توفر‭ ‬الارادة‭ ‬السياسية‭ ‬الثابتة‭ ‬و‭ ‬حرص‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬الواضح‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬الملف‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬وبشكل‭ ‬دوري،‭ ‬وربط‭ ‬نتائجه‭ ‬بمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬للدولة‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬إداري‭ ‬عابر‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التذكير‭ ‬المتكرر‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬الفرار‭ ‬ينفع‭ ‬ولا‭ ‬الأموال‭ ‬تشفع‭ ‬يرسل‭ ‬رسالة‭ ‬طمأنة‭ ‬لعموم‭ ‬المواطنين‭ ‬بأن‭ ‬مبدأ‭ ‬المحاسبة‭ ‬يبقى‭ ‬قائما‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الالتفاف‭ ‬عليه،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬فيه‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬وسريعة‭ ‬بدل‭ ‬الانتظار‭ ‬الطويل‭ ‬أمام‭ ‬المحاكم‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الصلح‭ ‬الجزائي،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التردد‭ ‬والتجريب،‭ ‬يدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬في‭ ‬الأهداف‭ ‬وأكثر‭ ‬إصرارا‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭. ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬قانونية‭ ‬لإنهاء‭ ‬نزاعات‭ ‬قضائية،‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬والتنمية‭ ‬العادلة‭ ‬بين‭ ‬الجهات،‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬أموال‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتشغيل‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الأولى‭ ‬بالرعاية،وإذا‭ ‬ما‭ ‬تواصلت‭ ‬هذه‭ ‬المتابعة‭ ‬الرئاسية‭ ‬الحثيثة‭ ‬بنفس‭ ‬الوتيرة،‭ ‬فإننا‭ ‬نكون‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬طي‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬ملفات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬وفتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬استرجاع‭ ‬الحق‭ ‬العام‭ ‬وتوظيفه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬من‭ ‬طال‭ ‬انتظارهم‭ ‬لنيل‭ ‬نصيبهم‭ ‬من‭ ‬ثروات‭ ‬بلادهم‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬إطار‭ ‬مسار‭ ‬إصلاحي‭ ‬متواصل‭:‬ قريبا‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬شغل‭ ‬جديدة‭ ‬تواكب‭ ‬التحولات‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬سميحة‭ ‬الهلالي‭ ‬ صرّح‭ ‬وزير‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عصام‭ ‬الأحمر‭ ‬أ…