2026-08-14

على‭ ‬هامش‭ ‬ظاهرة‭ ‬تركيب‭ ‬الأعمال‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭:‬ لا‭ ‬يـمكن‭ ‬إيـقاف‭ ‬الـتطوّر‭ ‬ولـكن‭ ‬يـمكن‭ ‬تـوظيـفه‭ ‬لكـشــف‭ ‬التحيـّل

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬اليوم‭: ‬هل‭ ‬سيغيّر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الموسيقى‭ ‬والفنون؟‭ ‬فهذا‭ ‬التغيير‭ ‬بدأ‭ ‬فعلاً،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬إيقافه‭. ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬هو‭: ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬إنتاج‭ ‬عمل‭ ‬يشبه‭ ‬الفن‭ ‬أسهل‭ ‬وأسرع‭ ‬وأقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الفن‭ ‬نفسه؟‭ ‬هنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تكتسب‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬تحوّل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬سهل‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬وبعض‭ ‬الأعمال‭ ‬الرمضانية،‭ ‬معناها‭ ‬الأوسع‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الآلة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجاوز‭ ‬الموهبة‭ ‬والخبرة‭ ‬والعمل‭ ‬الطويل‭.‬

لقد‭ ‬أتاحت‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬إنتاج‭ ‬موسيقى‭ ‬وصور‭ ‬وأفلام‭ ‬ونصوص‭ ‬وأصوات‭ ‬تكاد‭ ‬تستعصي‭ ‬أحياناً‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬البشر‭. ‬وفي‭ ‬المجال‭ ‬الصوتي‭ ‬تحديداً‭ ‬أصبحت‭ ‬تقنيات‭ ‬تركيب‭ ‬الكلام‭ ‬وتحويل‭ ‬الصوت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬أصوات‭ ‬بشرية‭ ‬بصورة‭ ‬واقعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬انتحال‭ ‬الشخصية‭ ‬والتضليل‭ ‬والاحتيال‭. ‬وفي‭ ‬الموسيقى‭ ‬بدأت‭ ‬المنصات‭ ‬نفسها‭ ‬تواجه‭ ‬مشكلة‭ ‬التدفق‭ ‬الهائل‭ ‬للأعمال‭ ‬الاصطناعية،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬سبوتيفاي‭ ‬أعلنت‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭ ‬لتمييز‭ ‬االشخصيات‭ ‬الفنيةب‭ ‬المولدة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وإبعادها‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬التوصيات‭ ‬الخوارزمية‭.‬

لكن‭ ‬علينا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نعلن‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬اخترع‭ ‬التحيل،‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬التحيل‭ ‬أقدم‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬فالإنسان‭ ‬عرف‭ ‬التزييف‭ ‬والسرقة‭ ‬والانتحال‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬للعمل‭ ‬الإبداعي‭ ‬قيمة‭ ‬مادية‭ ‬ورمزية‭. ‬ومع‭ ‬ظهور‭ ‬الطباعة‭ ‬اتسعت‭ ‬إمكانات‭ ‬نسخ‭ ‬الكتب‭ ‬وإعادة‭ ‬نشرها‭ ‬وانتحال‭ ‬الأعمال،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬عصر‭ ‬التسجيل‭ ‬والصورة‭ ‬ليجعل‭ ‬استنساخ‭ ‬المنتج‭ ‬الفني‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭ ‬فتفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬النسخ‭ ‬والتداول‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬والسينما‭ ‬والكتب‭.‬

الجديد‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بنسخ‭ ‬الزيف،‭ ‬بل‭ ‬يستطيع‭ ‬إنتاجه‭ ‬بكميات‭ ‬هائلة‭ ‬وبسرعة‭ ‬خاطفة‭ ‬وبكلفة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬رمزية‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬الخطر‭ ‬أكبر‭ ‬،‭  ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬مستخدم‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬متحيل،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تمنح‭ ‬أنصاف‭ ‬المواهب‭ ‬والمتطفلين‭ ‬والمحتالين‭ ‬أدوات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬الموسيقى‭ ‬يستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬مقطع‭ ‬موسيقي،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الكتابة‭ ‬يستطيع‭ ‬تركيب‭ ‬نص،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬يستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬مشهد‭ ‬سينمائي،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬صوتاً‭ ‬غنائياً‭ ‬يستطيع‭ ‬محاكاة‭ ‬صوت‭ ‬مغنٍّ‭ ‬حقيقي‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬سيقضي‭ ‬على‭ ‬الموهبة‭. ‬فالفن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬منتج‭ ‬نهائي‭ ‬يمكن‭ ‬قياسه‭ ‬بعدد‭ ‬الثواني‭ ‬أو‭ ‬الكلمات‭ ‬أو‭ ‬الصور‭. ‬فوراء‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬تجربة‭ ‬وذاكرة‭ ‬وحساسية‭ ‬وثقافة‭ ‬واختيارات‭ ‬وجماليات‭ ‬ومسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الفشل‭ ‬والتجريب‭.    ‬و‭ ‬الآلة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحاكي‭ ‬الأثر،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬ذلك‭ ‬الأثر‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬والزيف،‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يستخدم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لتوسيع‭ ‬قدراته‭ ‬ومن‭ ‬يستخدمها‭ ‬لاختصار‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الموهبة‭ ‬والحقوق‭.‬

والحل‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬فكل‭ ‬تحول‭ ‬تكنولوجي‭ ‬كبير‭ ‬كان‭ ‬يفرض‭ ‬معه‭ ‬أشكالاً‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬والحماية‭. ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬تكشف‭ ‬مصدر‭ ‬العمل‭ ‬وتوثق‭ ‬مساره،‭ ‬عبر‭ ‬العلامات‭ ‬الرقمية،‭ ‬والبيانات‭ ‬الوصفية،‭ ‬والبصمات‭ ‬التقنية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬إثبات‭ ‬المصدر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آليات‭ ‬بشرية‭ ‬للتحقق‭. ‬وهي‭ ‬حلول‭ ‬بدأت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬والتشريعات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬تطويرها؛‭ ‬فالاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أقرّ‭ ‬قواعد‭ ‬لتمييز‭ ‬المحتوى‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وإتاحة‭ ‬كشفه،‭ ‬ودخلت‭ ‬متطلبات‭ ‬الشفافية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الأوروبي‭ ‬حيّز‭ ‬التطبيق‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬أوت‭ ‬2026‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬التلقي‭ ‬والنقد‭ ‬تربي‭ ‬لدينا‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬العمل،‭ ‬وعن‭ ‬صاحبه،‭ ‬وعن‭ ‬طريقة‭ ‬إنتاجه،‭ ‬وتجعلنا‭ ‬نعيد‭  ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬الإبداعية‭ ‬والخبرة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬بريق‭ ‬النتيجة‭ ‬وحده‭.‬

إن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ثمن‭ ‬التطور‭ ‬نفسه‭. ‬وكل‭ ‬تطور‭ ‬يفتح‭ ‬أبواباً‭ ‬للحرية‭ ‬وأبواباً‭ ‬للاستغلال‭. ‬والتحدي‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬نغلق‭ ‬الأبواب‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬المحتالين،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نبتكر‭ ‬مفاتيح‭ ‬جديدة‭ ‬لكشفهم‭. ‬فالمستقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬للآلة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإنسان،‭ ‬وإنما‭ ‬لمن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أداة‭ ‬للإبداع‭ ‬لا‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الموهبة،‭ ‬ووسيلة‭ ‬لتوسيع‭ ‬الفن‭ ‬لا‭ ‬مصنعاً‭ ‬لإنتاج‭ ‬الزيف‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة‭ ‬التاسعة‭ ‬والثلاثون‭ ‬للمهرجان‭ ‬الصيفي‭ ‬بزغوان أسبوع‭ ‬من‭ ‬الطرب‭ ‬والمسرح‭ ‬وسهرة‭ ‬فلكلورية‭ ‬من‭ ‬الهند

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كمال‭ ‬الشيحاوي في‭ ‬مدينةٍ‭ ‬تعانق‭ ‬الجبل‭ ‬وتحرسها‭ ‬آثارٌ‭ ‬رومانية‭…