حول زيارة رئيس الجمهورية إلى قابس: خطوة ميدانية جديدة على طريق إنهاء أزمة التلوث
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي
أدّى رئيس الجمهورية أول أمس الاثنين زيارة مسائية ميدانية غير معلنة إلى مدينة قابس، تفقد خلالها المنطقة الصناعية واستمع مباشرة إلى مشاغل الأهالي المتصلة بالملف البيئي الذي يؤرق الجهة منذ سنوات.
وأكّد لهم على أن الشعب يريد تفكيك الفساد والمحاسبة وأن قابس ضحية تلوث بيئي وسياسي رغم مقوماتها الطبيعية الفريدة، وأن من حق المواطنين العيش في بيئة سليمة خالية من كل أشكال التلوث وشدّد على عدم تشغيل الوحدات الملوثة والاقتصار على الوحدات التي وقع إصلاحها فقط .
وأشاد بأهالي قابس الذين شكّلوا سدّا منيعا أمام محاولات الاستثمار في معاناتهم وإشعال الفتنة معتبرا وعيهم وعدم انسياقهم موقفا تاريخيا.
كما انتقل إلى مقر الولاية واجتمع بالوالي ونواب الجهة، مؤكدا خوض حرب على كل الجبهات وأن وعي الشعب سيكسر كل المؤامرات . كما زار المستشفى الجامعي ولاحظ الاكتظاظ ونقص الإمكانيات، مثمّنا تبرعات المواطنين، وعاين الوادي الذي سيتم جهره وإعادة تهيئته.
هذه الزيارة إذن تأتي في سياق متابعة رئاسية متواصلة لملف المجمع الكيميائي وتشكل محطة جديدة تضاف إلى سلسلة من التحركات الميدانية التي دأب رئيس الدولة على القيام بها وآخرها زيارة غير معلنة إلى مدينة رادس أوائل الشهر الجاري ،كان قد تفقّد خلالها الوضع البيئي هناك، في مؤشّر على نهج رئاسي يقوم على المعاينة المباشرة للملفات البيئية عبر ربوع الجمهورية.
وتكتسي هذه الزيارة دلالة خاصّة كونها تستجيب لواحد من أكثر مطالب جهة قابس إلحاحا، في ظل خطورة الوضع البيئي الذي طال أمده وما نجم عنه من انعكاسات صحية طالت آلاف العائلات، من أمراض الجهاز التنفسي إلى ارتفاع نسب الإصابة بالسرطان .
لذلك يبعث الحضور الرئاسي الميداني رسالة مباشرة إلى أهالي الجهة مفادها أن ملفهم حاضر في أولويات الدولة وأن معاناتهم المتواصلة منذ عقود محلّ متابعة على أعلى مستوى.
هذا الملف الذي أبلغه أهالي منطقة شط السلام إلى رئيس الدولة خلال جولته والمتمثل في تفكيك الوحدات الصناعية الملوثة، هو المطلب الأساسي الذي ما فتئ سكان الجهة يرفعونه منذ انطلاق حراكهم البيئي قبل نحو سنة.
كما تندرج هذه الزيارة في إطار متابعة الإجراءات التي باشرتها رئاسة الجمهورية منذ اندلاع الاحتجاجات في أكتوبر الماضي إثر الحادثة التي تعرض خلالها عدد من تلاميذ إحدى مدارس قابس لحالات اختناق جراء تسرب غازات من الوحدات الصناعية، حيث استقبل رئيس الدولة حينها وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة ووزير البيئة، وأصدر تعليماته بتوجيه فريق مشترك من الوزارتين إلى معمل الحامض الفسفوري لإصلاح الإخلالات المرصودة، سواء في عمليات الصيانة والتشغيل أو في مستوى إجراء الاختبارات الدورية على المعدات، كما شدد كذلك على ضرورة الإسراع بوضع خطة استراتيجية شاملة لوضع حد نهائي للكوارث البيئية، تكون مستلهمة من الخطة التي أعدّها شباب قابس منذ أكثر من عقد من الزمن والتي كان قد اطلع عليها منذ لحظة إعدادها .
ثم كلّف رئيس الجمهورية فريق عمل بإيجاد حلول عاجلة للوضع البيئي في قابس، وهو الفريق الذي واصل عمله خلال الأشهر اللاحقة إلى أن تسلّم رئيس الدولة تقريره النهائي في شهر جانفي الماضي، واطلع على التوصيات الواردة فيه في إطار رؤية شاملة تتجاوز حدود الجهة إلى الأوضاع البيئية في مختلف أنحاء البلاد. وكان يؤكّد في أكثر من مناسبة أنه يتابع الملف يوميا، مثمّنا وعي أهالي قابس ومشددا على أن الحق في بيئة سليمة خالية من كل أشكال التلوث حق مشروع لا يمكن التفريط فيه.
كما لم يقتصر التحرك الرئاسي على المتابعة والمراقبة فحسب، بل تم الإعلان عن حزمة من الإجراءات التمويلية والفنية لإصلاح الوحدات المتضررة، من بينها تمويل بقيمة 110 ملايين دولار لصيانة المجمع الكيميائي، إلى جانب فتح قنوات تعاون دولية لإعادة تأهيل وحدات الإنتاج، في إطار رؤية تستهدف الجمع بين معالجة الانبعاثات الملوثة والحفاظ على الطاقة الإنتاجية للمجمّع باعتباره أحد الروافد الاقتصادية المهمة للبلاد.
ويُعتبر تواتر هذه الزيارات الميدانية، من قابس إلى رادس وغيرهما من الجهات المتضررة بيئيا، تحوّلا في أسلوب التعاطي مع الملفات المركونة، من خلال كسر الجمود الإداري ونقل مركز القرار إلى قلب المناطق المعنية مباشرة حيث أنّ المعاينة الميدانية تتيح دائما تقييما واقعيا للمشكلة بعيدا عن التقارير المكتوبة، كما أنها تمنح الأهالي شعورا بأن أصواتهم مسموعة وأن مطالبهم تجد طريقها إلى دوائر القرار العليا.
وتبقى الرهانات المقبلة على هذه الزيارة معلّقة على سرعة تفعيل التوصيات وترجمتها إلى إجراءات ملموسة على الأرض، بما يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويكرّس في الوقت ذاته معادلة التوازن بين استمرارية النشاط الصناعي الحيوي للاقتصاد الوطني وضمان حق أهالي قابس في بيئة سليمة، فمثل هذه الزيارات حين تقترن بالمتابعة والتنفيذ تشكل خطوة فعلية نحو طيّ صفحة طويلة من المعاناة وتؤسّس لمناخ من السلم الأهلي القائم على الإنصاف والاستجابة لمطالب المواطنين المشروعة بما يعزز الثقة المتبادلة بين الدولة وجهة ظلت لعقود تدفع كلفة باهظة من صحة أبنائها وسلامة بيئتها.
انجاز المشاريع الكبرى من أوكد الأولويات : متابعة ميدانية متواصلة وحثيثة للأشغال
الصحافة اليوم:سميحة الهلالي قام وزير التجهيز والإسكان والمكلف بتسيير …
