2026-03-29

كارثة صامتة تضرب الفلاحة التونسية: التّين الشوكي يندثر والفلاح ضحيّة الحشرة القرمزية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرد‭ ‬نبات‭ ‬ينمو‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحقول‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬القاحلة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬التوازن‭ ‬الفلاحي‭ ‬والبيئي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬هذه‭ ‬النبتة‭ ‬التي‭ ‬تأقلمت‭ ‬مع‭ ‬قسوة‭ ‬المناخ‭ ‬وشحّ‭ ‬المياه،‭ ‬تحولت‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لأزمة‭ ‬عميقة‭ ‬تضرب‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اجتاحتها‭ ‬الحشرة‭ ‬القرمزية‭ ‬ودفعتها‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الانهيار‭.‬

تغطي‭ ‬زراعة‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬تُقدّر‭ ‬بحوالي‭ ‬600‭ ‬ألف‭ ‬هكتار،‭ ‬ويعتمد‭ ‬عليها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬كمورد‭ ‬رزق‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬كمصدر‭ ‬دعم‭ ‬لأنشطتهم‭ ‬الزراعية‭ ‬وتربية‭ ‬الماشية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعكس‭ ‬نجاح‭ ‬تجربة‭ ‬فلاحية‭ ‬متكاملة،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬مؤشراً‭ ‬مقلقاً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬الحشرة‭ ‬القرمزية‭ ‬سنة‭ ‬2021‭ ‬وانتشارها‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭.‬

ففي‭ ‬مناطق‭ ‬الوسط‭ ‬والجنوب‭ ‬الغربي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬مجرد‭ ‬محصول‭ ‬فلاحي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يشكل‭ ‬اسوراً‭ ‬طبيعياًب‭ ‬يحمي‭ ‬الأراضي‭ ‬من‭ ‬التصحر‭ ‬وزحف‭ ‬الرمال،‭ ‬ويؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬بيئياً‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬التربة‭ ‬وتنظيم‭ ‬المجال‭ ‬الفلاحي‭ ‬وهو‭ ‬ايضا‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الأعلاف‭ ‬للماشية‭. ‬ومع‭ ‬تدهور‭ ‬هذه‭ ‬النبتة،‭ ‬فقدت‭ ‬آلاف‭ ‬الهكتارات‭ ‬هذا‭ ‬الحاجز‭ ‬الحيوي،‭ ‬مما‭ ‬ينذر‭ ‬بتداعيات‭ ‬بيئية‭ ‬خطيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الهشة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬دقيقة‭.‬

وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬الحشرة‭ ‬القرمزية‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬التدميرية‭ ‬وسرعة‭ ‬انتشارها،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬بامتصاص‭ ‬عصارة‭ ‬النبتة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تذبل‭ ‬وتموت‭ ‬بالكامل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬امتلاكها‭ ‬لطبقة‭ ‬شمعية‭ ‬واقية‭ ‬يجعل‭ ‬مقاومتها‭ ‬بالوسائل‭ ‬التقليدية‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬فشل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬المكافحة‭ ‬الفردية،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬تداعيات‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الإنتاج‭ ‬النباتي،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الماشية‭. ‬ففي‭ ‬المناطق‭ ‬الجافة،‭ ‬يمثل‭ ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬مصدراً‭ ‬أساسياً‭ ‬للأعلاف،‭ ‬نظراً‭ ‬لكونه‭ ‬غنيا‭ ‬بالمياه‭ ‬والعناصر‭ ‬الغذائية،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الأعلاف‭ ‬المركزة‭. ‬ومع‭ ‬تراجعه،‭ ‬وجد‭ ‬مربو‭ ‬الماشية‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬ارتفاع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬التغذية،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬صغار‭ ‬الفلاحين‭ ‬وعمّق‭ ‬أزمة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الحيواني‭.‬

اقتصادياً،‭ ‬تكبد‭ ‬القطاع‭ ‬خسائر‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬وفق‭ ‬تأكيدات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬الصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتين‭ ‬الشوكي،‭ ‬وخاصة‭ ‬إنتاج‭ ‬زيت‭ ‬بذوره‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬التصديرية‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬العالية‭. ‬كما‭ ‬تأثرت‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬الموسمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية،‭ ‬اللواتي‭ ‬كنّ‭ ‬يعتمدن‭ ‬على‭ ‬جني‭ ‬الثمار‭ ‬كمصدر‭ ‬دخل‭ ‬موسمي‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬الإنتاج‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الحشرة‭ ‬القرمزية‭ ‬تمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬بيولوجياً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الكارثة‭ ‬هو‭ ‬بطء‭ ‬الاستجابة‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى‭. ‬فقد‭ ‬نبه‭ ‬مختصون‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬اعتماد‭ ‬حلول‭ ‬بيولوجية‭ ‬مستدامة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التدخلات‭ ‬تأخرت،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬للآفة‭ ‬الانتشار‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬يصعب‭ ‬احتواؤه‭ ‬اليوم‭. ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬هيكلية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬محدودية‭ ‬الإرشاد‭ ‬الفلاحي،‭ ‬وضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين،‭ ‬وغياب‭ ‬استثمار‭ ‬كافٍ‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬التطبيقي‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %

يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …