انطلاق العرض التجاري لفيلم صباط الغولة» للمخرج التونسي مختار العجيمي»: بـحـث فـي جــراح الماضي بين الأسطورة والواقع
ابتداءً من 22 أفريل، تستقبل قاعات السينما التونسية فيلم اصباط الغولةب، أحدث أعمال المخرج مختار العجيمي، الذي يواصل من خلاله مساره الفني القائم على مساءلة الذاكرة واستنطاق الهامش المنسي من التاريخ الشخصي والجماعي. فيلم يبدو للوهلة الأولى حكاية بسيطة عن امرأة مصابة بمرض الزهايمر، لكنه سرعان ما ينفتح على عوالم مركّبة، حيث تتداخل الحقيقة بالخيال، ويتحوّل الماضي إلى كائن حي يلاحق الحاضر.
تدور أحداث الفيلم حول زينة بلقاسم، أستاذة التاريخ المتقاعدة والروائية المعروفة باسم امامي زينةب، التي تستعد لنشر سيرتها الذاتية في لحظة حرجة من حياتها، إذ بدأت ملامح النسيان تتسلّل إلى ذاكرتها. لكن ما يبدو مشروع توثيق ذاتي، يتحوّل تدريجياً إلى رحلة شاقة في أعماق الطفولة، وتحديداً إلى ستينيات القرن الماضي، داخل منزل عائلي قديم في حلق الوادي.
هناك، حيث تشكّلت أولى ملامح وعيها، تستعيد زينة أحداثاً غامضة ومقلقة، مرتبطة بتجارب طفولية يصعب تصنيفها بين الواقعي والمتخيّل. ويبدو أن استعادة هذه اللحظات ليست مجرّد تمرين في الذاكرة، بل مواجهة مؤلمة مع جروح لم تندمل، ومع أشخاص تركوا أثراً عميقاً في مسار حياتها.
بين الأم والابنة: صراع الأجيال والذاكرة
يمنح الفيلم مساحة درامية لافتة للعلاقة بين زينة وابنتها ليندا، أستاذة الأدب التي تعيش بدورها أزمة داخلية بعد وفاة والدها. وهذه العلاقة ليست مجرد رابط عائلي، بل هي ساحة صراع بين رؤيتين: واحدة متشبثة بالماضي، وأخرى تسعى إلى القطع معه.
ليندا، التي تؤدي دورها عزة سليماني، تحاول إقناع والدتها بالتخلي عن المنزل القديم وما يحمله من اخرافاتب، بينما تنغمس زينة أكثر في عوالمها المتخيّلة، حيث تتداخل شخصيتها كأم مع هويتها كروائية. في لحظات كثيرة، تخاطب ليندا والدتها كما لو كانت شخصية امامي زينةب، في لعبة سردية ذكية تكشف هشاشة الحدود بين الواقع والتخييل.
الأسطورة كملاذة والطفولة كجرح مفتوح
يحضر البعد الأسطوري في الفيلم من خلال استدعاء عوالم الحكايات الشعبية، حيث تتحوّل االغولةب من مجرد كائن خرافي إلى رمز للخوف الدفين الذي يسكن الطفولة.
وبهذا المعنى فإنّبصباط الغولةب ليس مجرد عنوان، بل هو استعارة كثيفة عن أثر الماضي الذي يظل عالقاً في الذاكرة، حتى عندما تتآكل تفاصيلها بفعل المرض.
ويُحسب للفيلم قدرته على توظيف هذه الرمزية دون الوقوع في المباشرة، إذ يترك للمشاهد مساحة للتأويل، ويقترح قراءة نفسية واجتماعية للأسطورة، بوصفها تعبيراً عن قلق جماعي متوارث.
مختار العجيمي: سينما الذاكرة والهامش
يواصل مختار العجيمي في هذا العمل تعميق مشروعه السينمائي الذي انشغل منذ بداياته بتفكيك العلاقة بين الفرد وتاريخه الشخصي. ففي أفلامه السابقة، اشتغل على شخصيات تعيش على هامش المجتمع، وتحمل في داخلها توتراً بين ما عاشته وما تتمنّى نسيانه.
وتتميّز سينما العجيمي بنزعتها التأملية، وباعتمادها على إيقاع هادئ يسمح بتسلّل التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى. كما يولي أهمية خاصة للمكان، ليس فقط كخلفية للأحداث، بل كعنصر فاعل في تشكيل الذاكرة. وفي اصباط الغولةب، يتحوّل منزل حلق الوادي إلى شخصية قائمة بذاتها، تختزن الأسرار وتعيد إنتاجها.
يضمّ الفيلم مجموعة من الممثلين، من بينهم فاطمة بن سعيدان، إيلان كاتزاراس، وياسين بن قمرة، الذين يقدّمون أداءً يتسم بالصدق والاقتصاد، بعيداً عن المبالغة. ويبدو واضحاً أن المخرج اختار الاشتغال على الانفعالات الداخلية للشخصيات، أكثر من اعتماده على الأحداث الصاخبة.
سينما تواجه النسيان
اصباط الغولةب ليس فيلماً عن مرض فقط، بل عن الخوف من فقدان الذات، وعن الحاجة إلى إعادة سرد الحكاية قبل أن تضيع. إنه عمل يطرح أسئلة عميقة حول الذاكرة: ماذا يبقى منا حين ننسى؟ وهل يمكن للخيال أن ينقذ ما يعجز الواقع عن حفظه؟
في زمن تتسارع فيه الصور وتُختزل فيه الحكايات، يأتي هذا الفيلم ليذكّرنا بأن السينما يمكن أن تكون أيضاً فعلاً للمقاومةة مقاومة النسيان، واستعادة لما تكسّر فينا بصمت.
ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة
في سياق ثقافي يتّسم بتسارع التحوّلات وتبدّل المرجعيات، تحتضن المدرسة ا…
