ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة
في سياق ثقافي يتّسم بتسارع التحوّلات وتبدّل المرجعيات، تحتضن المدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت اليوم 15 أفريل 2026 ندوة علمية بعنوان امائوية يوسف شاهينب، تنظّمها الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي بالشراكة مع المؤسسة الجامعية. وسيلتئم هذا الموعد إبتداء من الساعة الواحدة والنصف إلى الخامسة والنصف مساءً ليؤكّد أنّ الاحتفاء ليس مجرّد استعادة لاسم سينمائي كبير، بل هو استحضار لمشروع فكري وجمالي ظلّ، على امتداد عقود، يقاوم التبسيط والامتثال.
لم يكن يوسف شاهين مجرّد مخرج يروي الحكايات، بل كان مفكّرًا بصريًا يشتبك مع الواقع بجرأة نادرة. فمنذ أفلامه الأولى، بدا واضحًا أنّه يرفض القوالب الجاهزة، سواء في البناء السردي أو في التمثيل أو في طرح القضايا. لقد جعل من السينما فضاءً للتفكير في الإنسان العربي، في هشاشته وقوّته، في تناقضاته العميقة، وفي صراعه الدائم مع السلطةربمختلف تجلّياتها: السياسية والدينية والاجتماعية.
لقد حيّرت أفلامه جمهورًا واسعًا، لا لأنّها غامضة بالضرورة، بل لأنّها تجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة، عن التطرّف، عن الانغلاق، عن الكبت، وعن الظلم. في عالمه السينمائي، لا توجد إجابات جاهزة، بل دعوة مستمرّة إلى التفكير وإعادة النظر.
من باب الحديد إلى المصير :
أسئلة الحرية المؤجّلة
شكّلت أفلام شاهين محطّات فارقة في تاريخ السينما العربية، حيث تداخل الشخصي بالسياسي، والذاتي بالجماعي. ففي فيلم اباب الحديدب، على سبيل المثال، قدّم صورة مركّبة عن القهر الاجتماعي والرغبة المكبوتة، فيما ذهب في أعمال لاحقة إلى مساءلة بنية السلطة وأثرها في تشكيل الوعي.
غير أنّ فيلم االمصيرب يظلّ من أبرز أعماله التي جسّدت هذا التوجّه الفكري. ففي هذا الفيلم، يستعيد شاهين سيرة الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، ليطرح من خلالها سؤال العلاقة بين العقل والتطرّف، بين الفكر الحرّ وسلطة التكفير. ولم يكن الفيلم مجرّد قراءة تاريخية، بل كان إسقاطًا واضحًا على واقع عربي مأزوم، يعاني من تصاعد نزعات الإقصاء والانغلاق.
والمفارقة اللافتة أنّ هذه الندوة تتزامن مع الذكرى التسعمائة لميلاد ابن رشد، في تقاطع رمزي بين فيلسوف دافع عن العقل، ومخرج آمن بأنّ السينما يمكن أن تكون امتدادًا لهذا الدفاع.
التزام لا يهادن: السينما كأداة مقاومة
إنّ ما يميّز تجربة شاهين هو هذا الإصرار على أن تكون السينما موقفًا. فلم ينخرط اشاهينب في خطاب دعائي مباشر، بل اختار مسارًا أكثر تعقيدًا وهو أن يفضح آليات القمع عبر اللغة الجمالية ذاتها. لذلك، كانت أفلامه مزيجًا من الواقعية والشاعرية، من الغنائية والاحتجاج، من السيرة الذاتية والتأمّل الفلسفي.
لقد قدّم شاهين نموذجًا للفنّان الملتزم، لا بالمعنى الإيديولوجي الضيّق، بل بالمعنى الإنساني العميق حيث الالتزام بحرية الإنسان، بحقه في التفكير، وفي الاختلاف، وفي الحلم. وهذا ما يجعل إرثه اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.
ندوة قمرت: إعادة قراءة في زمن التحوّلات
تكتسي هذه الندوة أهميتها من كونها لا تكتفي بالاحتفاء الرمزي، بل تسعى إلى إعادة قراءة تجربة شاهين في ضوء التحديات الراهنة التي تواجه السينما، خاصة في ظل التحوّلات الرقمية وتغيّر أنماط التلقي. فكيف يمكن للسينما اليوم أن تستعيد دورها النقدي؟ وكيف يمكن لصوت المخرج أن يظلّ فاعلًا في زمن الصورة السريعة والاستهلاك البصري المكثّف؟
هذه الأسئلة وغيرها ستكون في صلب النقاشات التي سيؤثّثها باحثون ونقّاد، في محاولة لاستكشاف إمكانات السينما كأداة فكرية قادرة على مساءلة الواقع، لا مجرّد مرآة له.
إرث مفتوح على المستقبل
ولا يمكن اختزال يوسف شاهين في فيلم أو مرحلة، لأنّه، ببساطة، كان مشروعًا مفتوحًا على الأسئلة. ولعلّ أهمّ ما يخلّفه هذا الاحتفاء هو التذكير بأنّ السينما، حين تتحرّر من منطق السوق ومن إغراءات السطح، يمكن أن تكون فعل مقاومة، وفضاءً للتفكير، وأداة لإعادة تشكيل الوعي.
في مائويته، لا يعود شاهين كذكرى، بل كحاجة: حاجة إلى سينما تقول ما يجب قوله، وتجرؤ على ما يجب مساءلته، وتؤمنركما آمن هوربأنّ الحرية ليست ترفًا، بل شرطًا للوجود.
انطلاق العرض التجاري لفيلم صباط الغولة» للمخرج التونسي مختار العجيمي»: بـحـث فـي جــراح الماضي بين الأسطورة والواقع
ابتداءً من 22 أفريل، تستقبل قاعات السينما التونسية فيلم اصباط الغولةب،…
