2026-04-18

ُُبين تونس وإسبانيا شراكات تبنى على الإحترام

في زمنٍ اختلطت فيه المصالح بالمواقف، ولم يعد واضحاً أين ينتهي الاقتصاد وأين تبدأ السياسة، يصبح اختيار الشريك أكثر من مجرد قرار تقني. إنه موقف. وتونس، وهي تستقبل سفير إسبانيا، لم تكن فقط تُجدّد عادات دبلوماسية، بل كانت، في العمق، تُعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: مع من نتعاون، وعلى أي أساس؟

اللقاء الذي جمع كاتب الدولة محمد بن عيّاد بالسفير الإسباني إيسيدرو أنطونيو غونزاليس أفونسو، يندرج في سياق يبدو عادياً على السطح: استعراض علاقات، تأكيد نوايا، تحضير لاستحقاقات. لكن ما بين السطور، هناك ما هو أعمق: بحث عن شراكات تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإملاء، وعلى التقاطع في القيم، لا فقط في المصالح.

إسبانيا، في السنوات الأخيرة، لم تكن مجرد شريك اقتصادي لتونس. كانت أيضاً صوتاً مختلفاً داخل الفضاء الأوروبي، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. في عالمٍ يتردد فيه الكثيرون، اختارت مدريد أن تُعلن موقفاً واضحاً، حتى وإن كلّفها ذلك بعض الحرج السياسي. وهذه ليست مسألة رمزية فقط، بل هي مؤشر على نوع الشراكة الممكنة.

فالتعاون، حين يكون مع دولة تحترم القانون الدولي، وتدعم حقوق الشعوب، لا يكون مجرد تبادل مصالح، بل يصبح علاقة أكثر توازناً. لا أحد يُملي، ولا أحد يُفرض عليه. وهذا، في عالم اليوم، ليس تفصيلاً صغيراً.

تونس، بحكم موقعها في قلب المتوسط، لا تستطيع أن تختار عزلتها. البحر الذي يفصلها عن أوروبا هو نفسه الذي يربطها بها. والتاريخ، بكل ما يحمله من تداخلات ثقافية وإنسانية، يجعل من هذا الفضاء مجالاً طبيعياً للتعاون. لكن هذا التعاون، إن لم يُبنَ على أسس واضحة، يمكن أن يتحول إلى علاقة غير متكافئة.

هنا تحديداً تبرز أهمية النشاط الدبلوماسي. فالدبلوماسية ليست مجرد استقبال وفود، أو تبادل مجاملات. هي، في جوهرها، فنّ بناء المصالح، وصياغة الشراكات، وفتح الأبواب حيث تبدو مغلقة. وهي أيضاً، في حالات كثيرة، خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة، حين تتحول العلاقات الدولية إلى ميدان تنافس حاد.

الحديث عن إعادة نسق الزيارات رفيعة المستوى بين تونس وإسبانيا ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه اعتراف بأن العلاقات تحتاج إلى زخم سياسي حتى تتحرك. المستثمر، بطبيعته، يبحث عن إشارات. وحين يرى حركية دبلوماسية، وتوافقاً سياسياً، يصبح أكثر استعداداً للمغامرة.

في المجال الاقتصادي، تبدو الفرص واسعة. السياحة، التي تشكل أحد أعمدة الاقتصاد التونسي، يمكن أن تستفيد من خبرة إسبانيا، التي تُعدّ من أبرز الوجهات السياحية في العالم. التعاون في هذا القطاع لا يعني فقط استقطاب السياح، بل أيضاً تطوير الخدمات، وتحسين الجودة، وتوسيع العرض.

في المجال البيئي، يزداد التقاطع وضوحاً. التغيرات المناخية، والتحديات المرتبطة بالمياه والطاقة، تفرض على دول المتوسط أن تتعاون، لا أن تتنافس. المشاريع المشتركة في الطاقات المتجددة، وحماية البيئة، يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية.

أما في المجال الثقافي والعلمي، فإن الإمكانيات لا تقل أهمية. التبادل الجامعي، البحث العلمي، والبرامج المشتركة، كلها أدوات لبناء علاقة تتجاوز الاقتصاد إلى الإنسان نفسه.

لكن كل هذه الإمكانيات تبقى رهينة شرط أساسي: أن تكون الشراكة متوازنة. تونس لا تحتاج إلى شركاء يبحثون عن أسواق فقط، بل إلى شركاء يبحثون عن بناء مشترك. وهذا الفرق، وإن بدا بسيطاً، هو ما يحدد طبيعة العلاقة.

الاستعداد لإحياء الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 2027 ليس مجرد محطة رمزية. إنه فرصة لإعادة تقييم المسار، ولطرح سؤال صريح: ماذا نريد من هذه العلاقة؟ وكيف يمكن أن نجعلها أكثر فائدة للطرفين؟

في عالمٍ تتغير فيه التحالفات بسرعة، يصبح الثبات على مبادئ معينة نوعاً من القوة. اختيار الشركاء على أساس احترام القانون الدولي، ودعم السلم، والاعتراف بحقوق الشعوب، ليس رفاهية أخلاقية، بل هو أيضاً مصلحة استراتيجية. فالشراكات التي تُبنى على القيم، تكون أكثر استقراراً، وأقل عرضة للتقلبات.

تونس، وهي تبحث عن موقعها في هذا العالم المضطرب، تحتاج إلى هذا النوع من العلاقات. لا علاقات تقوم على الحاجة فقط، بل على الاحترام أيضاً.

في النهاية، قد لا تغيّر لقاءات دبلوماسية واحدة موازين القوى، لكنها ترسم الاتجاه. والاتجاه، في السياسة كما في الاقتصاد، هو ما يصنع الفرق بين من ينجرف مع التيار، ومن يحاول أن يوجّه مساره.

‫شاهد أيضًا‬

حين تعود تونس إلى أرضها: الفلاحة كخيار سيادي لا كقطاع ثانوي

في‭ ‬بلدٍ‭ ‬ظلّ‭ ‬طويلاً‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬أوهام‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السريع‭ ‬وحقائق‭ ‬الأرض‭ ‬الص…