رواية “أغالب مجرى النهر” لسعيد خطيبي الفائزة بجائزة البوكر 2026: حين تــُقاوم الروايــة مجرى النسيان
تأتي رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري “سعيد خطيبي” بوصفها نصًا سرديًا يسبح عكس السائد، لا فقط على مستوى الحكاية، بل في طرائق بنائها ورؤيتها للعالم. فمنذ صفحاتها الأولى، تُعلن الرواية انحيازها إلى الهامشي والمنسي، وإلى تلك الأصوات التي لا تجد طريقها إلى السرديات الكبرى، فتجعل من فعل الكتابة ذاته مقاومةً لمحو الذاكرة الفردية والجماعية. وهو ما جعلها تحظى باهتمام نقدي لافت، تُوِّج بفوزها بإحدى الجوائز الأدبية العربية المرموقة، في سياق تنافسي يعكس تحولات الرواية العربية المعاصرة.
تدور رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب سعيد خطيبي حول شخصيةٍ تبحث في ماضيها الملتبس، محاولةً إعادة تركيب حياتها عبر استرجاع ذكريات متقطّعة تتداخل فيها التجربة الفردية مع تحوّلات المجتمع الجزائري.
تتقدّم الأحداث عبر شذرات من الذاكرة: علاقات إنسانية معقّدة، فقدان، خيبات، ووقائع تاريخية تظهر في الخلفية دون مباشرة. ومع كلّ استعادة، تنكشف طبقات جديدة من الحكاية، فيتبيّن أن السرد ليس فقط محاولة لفهم ما حدث، بل أيضًا مقاومة للنسيان ولتشوّه الذاكرة.
في النهاية، لا تقدّم الرواية حكاية مغلقة بقدر ما تترك القارئ أمام مصير مفتوح، حيث يصبح “مجاراة النهر” أو “مغالبة مجراه” استعارةً لاختيار الإنسان بين الاستسلام لما كان، أو إعادة كتابة ذاته رغم كلّ الانكسارات.
من عناصر طرافتها وجدّتها
ومن أبرز عناصر تميّز الرواية في تقديرنا اعتمادها بنية سردية متشظية، تقوم على تداخل الأزمنة وتعدد وجهات النظر. فلا يسرد “سعيد خطيبي” حكايةً خطية بقدر ما ينسج فسيفساء من المقاطع والذكريات والوثائق، حيث يتجاور الشخصي بالتاريخي، والحميمي بالسياسي. ويضع هذا التداخل القارئ أمام نصّ مفتوح، يتطلب يقظة تأويلية مستمرة، ويُحرّضه على إعادة تركيب الحكاية بنفسه. وتتميّز الرواية كذلك بلغتها المكثّفة التي تميل إلى الاقتصاد دون أن تفقد شعريتها. فالجمل قصيرة، مشحونة بالدلالة، تُحيل إلى ما هو أبعد من ظاهرها، وتُراهن على الإيحاء بدل التصريح. وتعيد هذه اللغة، الاعتبار للكتابة بوصفها فنًّا في الحذف بقدر ما هي فنّ في القول، حيث يُترك للقارئ هامش واسع لملء الفراغات.
إنها لغة تُقارب الصمت، وتستثمره، لتُعبّر عن عوالم داخلية مثقلة بالتوتر والأسئلة. وهو ما يمنح النصّ طابعًا تأمليًا، يجعل القراءة تجربةً وجدانية وفكرية في الآن ذاته.
ثيمة الذاكرة والهُوية: سرد الهشاشة الإنسانية
تدور الرواية في جوهرها حول سؤال الذاكرة وتسأل بقوّة، كيف نحفظ ما يتداعى؟ وكيف نُقاوم النسيان الذي يهدّد الأفراد والجماعات؟ وضمن هذا الأفق ، يُقدّم “سعيد خطيبي” شخصياته بوصفها كائنات هشة، تعيش على تخوم الانكسار، وتحاول أن تجد لنفسها معنى في عالم متحوّل.
و تنجح الرواية في تحويل هذه الهشاشة إلى قوة جمالية، حيث يصبح الضعف ذاته مادةً للسرد، ومصدرًا للدهشة. كما تُحيل هذه الثيمة إلى تاريخ الجزائر الحديث، دون أن تقع في المباشرة أو التقريرية، بل عبر إشارات دقيقة وموحية.
نصّ يلتقط روح المرحلة
ويمكن ردّ فوز الرواية إلى جملة من العوامل المتداخلة. أولها قدرتها على تجديد أدوات السرد، عبر بنية غير تقليدية ولغة مشحونة بالدلالة. وثانيها انشغالها بأسئلة راهنة تتعلّق بالذاكرة والهوية والانتماء، وهي قضايا تشغل الرواية العربية اليوم. وثالثها نجاحها في الجمع بين البعد المحلي والبعد الإنساني، بحيث تنطلق من سياق جزائري محدد، لتلامس أسئلة كونية. فالرواية بهذا المعنى تجسّد “لحظة نضج” في تجربة صاحبها، وتُؤكّد حضوره كأحد الأصوات السردية اللافتة في المشهد العربي.
من الذاكرة الجماعية إلى الذات الفردية
تندرج رواية “أغالب مجرى النهر” ضمن مسار تطوّر الرواية الجزائرية، التي انتقلت من الانشغال بالذاكرة الجماعية المرتبطة بالثورة والتحرّر، إلى مساءلة الذات الفردية وتفكيك علاقتها بالتاريخ. وإذا كانت أعمال رواد مثل الطاهر وطار وواسيني الأعرج قد أسّست لهذا المسار، فإن الجيل الجديد، الذي ينتمي إليه سعيد خطيبي، يذهب أبعد في التجريب، مستفيدًا من تحوّلات الكتابة الروائية عالميًا. و لذلك تبدو الرواية في هذا الإطار، جزءًا من موجة جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين السرد والتاريخ، وبين الفرد والجماعة، عبر نصوص تُراهن على التعقيد والتركيب بدل السرد المباشر.
السباحة ضد النسيان
بهذا المعنى، لا تُقرأ “أغالب مجرى النهر” بوصفها مجرّد حكاية، بل كفعل مقاومة رمزي ضد النسيان. إنها كتابة تُدافع عن حقّ الذاكرة في البقاء، وعن قدرة الأدب على إعادة تشكيل العالم. ولعلّ هذا ما يفسّر صداها النقدي الواسع، واستحقاقها للتتويج: لأنها ببساطة رواية تعرف كيف تُقاوم التيار، وتُحوّل السرد إلى مساحة للنجاة.
ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة
في سياق ثقافي يتّسم بتسارع التحوّلات وتبدّل المرجعيات، تحتضن المدرسة ا…
