2026-04-23

غلاء يرهق الجيوب ويكشف هشاشة السوق: انفلات الأسعار وغياب الرقابة

لم يعد ارتفاع أسعار الخضر والغلال والأسماك في تونس مجرّد ظاهرة ظرفية مرتبطة بالمواسم أو التقلبات المناخية، بل تحوّل إلى معطى يومي يثقل كاهل المواطن ويطرح تساؤلات جدية حول آليات التعديل والرقابة داخل السوق.

الصحافة اليوم:مصباح الجدي

أرقام صادمة باتت تتكرر على ألسنة المستهلكين، لعل أبرزها وصول سعر الطماطم إلى 6 دنانير للكيلوغرام في حين يبيعها الفلاح بأقل من2 د، وهو رقم غير مسبوق لمنتوج ظل لعقود جزءًا لا يتجزأ من المائدة التونسية، حتى وُصف بأنه «كالملح في الطعام».

هذا الارتفاع اللافت لا يمكن فصله عن سياق عام يتسم باضطراب منظومة التوزيع وغياب رقابة ناجعة، وهو ما يفتح الباب أمام شبهات التلاعب بالأسعار. فالمستهلك الذي كان يتعامل مع الطماطم كمادة أساسية، يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى تقليص استهلاكها أو البحث عن بدائل، في مفارقة تعكس اختلالًا عميقًا بين العرض والطلب، وبين الكلفة الحقيقية وسعر البيع النهائي.

ولا يقتصر الأمر على الخضر، إذ تشهد الغلال بدورها ارتفاعًا قياسيًا، حيث قفز سعر البرتقال بأكثر من 300 % مقارنة بالسنوات الماضية، رغم أنه يُعرض حاليًا خارج موسمه الطبيعي. هذه الزيادة تطرح بدورها علامات استفهام حول مسالك التزويد والتخزين، ومدى احترام قواعد السوق، خاصة وأن المنتوجات الفلاحية في تونس غالبًا ما تخضع لتقلبات حادة في الأسعار بسبب غياب التخطيط المحكم.

أما الأسماك، التي كانت في فترات سابقة متنفسًا للمستهلك محدود الدخل، فقد لحقت بركب الغلاء، لتفقد دورها كبديل اقتصادي للحوم الحمراء. فقد بلغ سعر السردينة، التي تُعد من أكثر الأنواع استهلاكًا، حدود 10 دنانير للكيلوغرام، في حين تجاوزت أسعار اللحوم الحمراء حاجز 60 دينارًا. وهذا الواقع يضع المستهلك أمام خيارات محدودة، ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل ملحوظ.

في خضم هذا الوضع، برزت ظاهرة جديدة تعكس حالة القلق وعدم الثقة داخل السوق، تتمثل في إقدام المستهلكين على مطالبة التجار بفواتير الشراء، في محاولة لفهم أسباب هذا الارتفاع غير المبرر. غير أن هذه الخطوة تصطدم في كثير من الأحيان برفض بعض التجار تقديم هذه الفواتير، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى إخفاء لوحات الأسعار أو الامتناع عن عرضها، خوفًا من توثيقها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا السلوك يعكس حالة من التوجس داخل حلقات البيع، ويؤكد وجود خلل في الشفافية، وهو ما يزيد من حدة التوتر بين البائع والمشتري. كما أن تسجيل نقص في توفر مادة الطماطم في بعض الأسواق يطرح فرضية الاحتكار أو تعمد تقليص العرض لرفع الأسعار، وهي ممارسات تتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية.

إن استمرار هذا الوضع دون تدخل فعّال من أجهزة الرقابة يهدد بتكريس اقتصاد موازٍ يتحكم في الأسعار بعيدًا عن أي ضوابط قانونية. كما أن غياب الردع يشجع على مزيد من الانفلات، ويضعف ثقة المواطن في السوق.

في المقابل، لا يمكن بأي حال إغفال العوامل الموضوعية التي قد تساهم في هذا الارتفاع ولكنها تبقى نسبية، مثل كلفة الإنتاج والنقل، والتغيرات المناخية، وارتفاع أسعار المحروقات. غير أن هذه العوامل، رغم تأثيرها، لا تبرر الفوارق الكبيرة بين السعر عند الإنتاج والسعر عند الاستهلاك، وهو ما يعيد النقاش إلى مسألة الوساطة وتعدد الحلقات داخل مسالك التوزيع.

وبات من الضروري اليوم أن تتحرك أجهزة الرقابة والجهات المعنية بتعديل العرض والطلب للقيام بأدوارها قصد المحافظة على المقدرة الشرائية للمواطن حتى لا يكون عرضة لابتزاز السماسرة.

‫شاهد أيضًا‬

«إيراسموس+ من أجل التميز»: جسور متوسطية جديدة تربط الجامعات التونسية بنظيراتها الأوروبية والإفريقية

في تأكيد جديد على الحضور المتنامي لتونس في الفضاء الأكاديمي الدولي، تحتضن بلادنا من 20 إلى…