2026-04-25

البرلمان يفتح ملف مجلّة الصّرف: التّوجه نحو توحيد النصوص واعتماد إصلاح تدريجي

انطلق مؤخرا مجلس نواب الشعب، في النظر في ملف مجلة الصرف عبر سلسلة من جلسات الاستماع عقدتها لجنة المالية والميزانية، كان آخرها يوم 20 أفريل 2026 بحضور ممثلين عن وزارة المالية. ويأتي هذا التحرك في سياق دفع النقاش التشريعي حول إصلاح منظومة الصرف، بعد أن كان عدد من النواب قد تقدموا بمقترح قانون في الغرض منذ أكتوبر 2025.

وخلال تداول المشروع، برز توجّه عام نحو اعتماد إصلاح تدريجي ومتوازن، حيث أكد رئيس اللجنة ماهر الكتاري أن المشروع يقوم على مقاربة تشاركية تهدف إلى الاستجابة لحاجيات الفاعلين الاقتصاديين، مع الحفاظ على استقرار التوازنات المالية. في المقابل، شدد ممثلو وزارة المالية على أن الظرف الاقتصادي لا يسمح بالتحرير الكامل لمنظومة الصرف، معتبرين أن أي انفتاح يجب أن يظل مشروطًا بتحسن المؤشرات، خاصة احتياطي العملة الأجنبية واستقرار الدينار.

وفي هذا السياق، كشف نائب رئيس لجنة المالية بمجلس نواب الشعب ظافر الصغيري، في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، عن وجود تباين في المواقف بشأن توجهات إصلاح منظومة الصرف. وأوضح أن وزارة المالية تبدي تحفظًا إزاء أي انفتاح كلّي، محذّرة من تداعياته على التوازنات الاقتصادية، ومؤكدة ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية في الإصلاح.

في المقابل، يعتبر عدد من النواب أن الإطار الحالي لم يعد يواكب التحولات الاقتصادية، مشيرين إلى أن المقترح الجديد يقوم على التدرّج دون الوصول إلى تحرير كامل، مع التركيز على دعم المؤسسات التونسية، خاصة الناشئة.

وبيّن الصغيري أن المشروع يتجه نحو تقليص التدخل الإداري والتخفيف من العقوبات، إلى جانب تبسيط الإجراءات، بما يتماشى مع متطلبات جيل جديد من الفاعلين الاقتصاديين المنفتحين على السوق العالمية. كما يهدف إلى توحيد مختلف النصوص القانونية المتعلقة بالصرف ضمن إطار تشريعي موحّد، بما يعزز الشفافية ويسهّل المعاملات.

وأضاف أن الإصلاح المقترح يتضمن إجراءات جديدة من بينها تمكين التونسيين من فتح حسابات بالعملة الصعبة، ومراجعة بعض المفاهيم القانونية على غرار الإقامة، فضلًا عن إتاحة استخدام وسائل الدفع الإلكتروني الدولية لفائدة الناشطين في الاقتصاد الرقمي.

ودعا الصغيري مختلف الفاعلين، من منظمات وخبراء ورواد أعمال، إلى التفاعل مع هذا المقترح، معتبرًا أن مجلة الصرف الجديدة تمثل فرصة لتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات ودعم المبادرة الاقتصادية، خاصة لدى فئة الشباب.

وتجدر الاشارة الى ان النقاش داخل اللجنة تركز على عدة إشكاليات أساسية، من بينها تأثير القيود الصرفية على مناخ الاستثمار، حيث اعتبر عدد من النواب أن التشدد فيها يساهم في توسع الاقتصاد الموازي، مقابل دعوات أخرى إلى الحذر والتدرج لتفادي انعكاسات سلبية على التوازنات المالية. كما تم التطرق إلى تعدد النصوص القانونية المنظمة للمجال وغياب الانسجام بينها، وهو ما يطرح صعوبات على مستوى التطبيق.

وفي سياق متصل، أثار النواب مسألة مواكبة التحولات الرقمية، خاصة في ظل محدودية خدمات الدفع الإلكتروني الدولي، داعين إلى ضرورة تحديث الإطار التشريعي ليتلاءم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. ويشمل مشروع مجلة الصرف إجراءات تتعلق بتنظيم الاستثمارات الأجنبية واستثمارات التونسيين بالخارج، إلى جانب دعم المؤسسات الناشئة عبر تسهيل النفاذ إلى التمويل بالعملة الأجنبية.

تغيير تشريعي جذري

ويسعى المشروع لطيّ صفحة «قانون 1976» المحدث للمجلة القديمة، من خلال مشروع «مجلة الصرف الجديدة»، الذي يضم 91 فصلاً موزعة على 12 باباً، وهو تغيير تشريعي يهدف إلى الانتقال من منطق القيود إلى مبدإ «الحرية هي الأصل» في المعاملات المالية مع الخارج.

ويكرّس المشروع في فصله الأول مبدأ التحرير التدريجي للمعاملات، وهو ما يراه الخبراء «تحرّراً من القيود البيروقراطية» التي كبّلت الاستثمار لعقود. كما يخصص الباب الثاني لضبط دقيق لصفة «المقيم» و«غير المقيم» (الفصل 11)، لضمان مرونة أكبر للتونسيين المقيمين بالخارج والمستثمرين الأجانب.

وينص الفصل 25 من المشروع، على فتح حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل للمقيمين.

ويركز الباب الحادي عشر (خاصة الفصول من 78 إلى 85) على مراجعة سلّم العقوبات. اذ يتجه المشروع نحو تغليب «الخطايا المالية» و«الصلح» على العقوبات البدنية (السجن) في مخالفات الصرف، مع إقرار آليات لتسوية الأوضاع السابقة لإدماج العملة الصعبة «المكتنزة» في المسالك الرسمية لتعزيز احتياطي البنك المركزي.

كما يمنح المشروع عبر الفصل 65 سلطات رقابية وتقنية واسعة للبنك المركزي التونسي، لضمان الانتقال السلس نحو التحرير الكلي للصرف دون المساس باستقرار العملة الوطنية (الدينار) أو التوازنات الكلية للدولة، مع رقمنة كاملة لإجراءات الرقابة والإحصاء.

‫شاهد أيضًا‬

أعضاء لجنة الفلاحة يؤدّون زيارة ميدانية إلى ولاية جندوبة للإطلاع على منظومة إنتاج الحليب: البرلمان يدعو إلى إصلاحات عميقة لضمان استدامة قطاع الألبان

في إطار مساعيها لتشخيص واقع منظومة الألبان في تونس، أدّت لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والما…