حملات أمنية مكثّفة ضدّ الاحتكار والجريمة: نحو إرساء سياسة دولة دائمة ..وإنفاذ القانون
الصحافة اليوم : عواطف السويدي
تشهد تونس في الآونة الأخيرة نسقًا متصاعدًا من الحملات الأمنية التي تستهدف الجريمة المنظمة وشبكات الاحتكار والمضاربة، في إطار توجه رسمي واضح نحو فرض سلطة القانون واستعادة انتظام السوق. ويأتي هذا التحرك في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، تتداخل فيه تحديات الأمن مع أزمة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل من مكافحة الاحتكار أولوية سياسية وأمنية في آن واحد.
وقد أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه بوزير الداخلية وكاتب الدولة المكلف بالأمن الوطني، أن مقاومة الاحتكار لم تعد إجراءات ظرفية أو موسمية، بل أصبحت خيارًا استراتيجيًا دائمًا للدولة، مع التشديد على ضرورة إعادة النظر في مسالك التوزيع باعتبارها أحد أبرز مصادر الاختلال.
على المستوى الميداني، أسفرت هذه الحملات عن تفكيك شبكات تنشط في تخزين وإخفاء السلع بهدف التلاعب بالأسعار، إلى جانب حجز كميات هامة من المواد الأساسية وإيقاف عدد من المتورطين، فضلاً عن مصادرة وسائل نقل ومعدات تُستعمل في التهريب والتوزيع غير القانوني، بما يعكس الطابع المنظم والمعقد لهذه الشبكات.
وتستند هذه المقاربة إلى إطار قانوني صارم، في مقدّمته المرسوم عدد 14 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة، والذي يقرّ عقوبات مشددة قد تصل إلى السجن مدى الحياة في بعض الحالات، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز البعد الردعي في مواجهة الاقتصاد الموازي وإعادة ضبط السوق.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه الدولة نحو تطوير منظومة رقمنة لمسالك التوزيع عبر تطبيقة رقمية تمكّن من تتبع مسار المواد المدعمة من الإنتاج إلى الاستهلاك، بما يسمح بمراقبة أدق للعمليات التجارية والحد من التلاعب بالفواتير والكميات. وتشمل هذه المنظومة المواد الأساسية مثل الزيت النباتي والفارينة والعجين الغذائي، مع ربط عمليات البيع بشبكة موحدة للبيانات.
ورغم هذه الإجراءات، ما تزال الأسعار تشهد ارتفاعًا ملحوظًا، في ظل تسجيل تضخم في حدود 5.5% وتوقعات بمزيد من الضغوط، ما يعكس استمرار الإشكال رغم التدخلات الرقابية.
في المقابل، تهدف هذه السياسات الى تحسين التزويد واستقرار الأسعار وضمان استفادة الفلاحين والمنتجين، بالتوازي مع خطة أمنية تعتمد على تكثيف الحملات وتحديث وسائل التقصي واستهداف النقاط السوداء، في إطار مواجهة مختلف أشكال الجريمة.
في هذا السياق، أفاد النائب ياسر القوراري، مقرر لجنة التشريع العام في تصريح لـاالصحافة اليومب، بأن التعامل مع ملف الاحتكار والمضاربة في تونس ما يزال يفتقد إلى مقاربة وطنية شاملة ومستدامة، معتبرًا أن التدخلات الحالية تظل في أغلبها امناسباتيةب ترتبط أساسًا بارتفاع الأسعار، من خلال حملات ظرفية محدودة في الزمن، يغلب عليها الطابع الأمني.
وأوضح القوراري أن هذه المقاربة، رغم ما تحققه من نتائج ميدانية مهمة على مستوى الردع والتصدي لبعض الممارسات غير القانونية، تبقى غير كافية لمعالجة الظاهرة في جذورها، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتواصل الضغوط على القدرة الشرائية، بما في ذلك أسعار الأضاحي، يعكس وجود إشكال هيكلي أعمق يتطلب رؤية استراتيجية واضحة.
وشدد على أن الحل لا يكمن فقط في التدخل الأمني، بل في اعتماد سياسة اقتصادية قائمة على ضمان وفرة الإنتاج، باعتبارها المدخل الأساسي لكسر حلقات الاحتكار وخفض الأسعار. وأضاف أن ابارونات الاحتكارب تستغل حالات النقص في العرض لتحقيق أرباح غير مشروعة، وهو ما يستوجب، حسب تعبيره، تدخلًا استباقيًا من الدولة بدل الاكتفاء بالمعالجة اللاحقة.
دور استراتيجي واستباقي
وفي هذا الاطار، دعا النائب إلى ضرورة أن تضطلع وزارة التجارة بدور استراتيجي استباقي في تأمين حاجيات السوق، من خلال التخطيط المسبق وتوفير المواد الأساسية على غرار الحليب واللحوم والخضر والقهوة، معتبرًا أن معالجة الاختلالات تبدأ من دعم منظومة الإنتاج، خاصة في ما يتعلق بقطاع الأعلاف، بما يساهم في تعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية والحد من الضغوط على السوق.
كما أكد أن المقاربة الأمنية تبقى ضرورية في جانبها الردعي والجزائي لكل من يتلاعب بقوت التونسيين أو يسعى إلى استغلال الوضع اقتصاديًا أو سياسيًا، محذّرا من أن غياب الردع قد يفاقم حالة التوتر في البلاد. وأضاف أن الاستقرار الاجتماعي والأمني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الاقتصادي، ما يفرض مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة وإيجاد حلول عملية وفعالة.
وعلى المستوى التشريعي، اعتبر القوراري أن البرلمان بإمكانه لعب دور مهم في دعم جهود الدولة، من خلال تطوير الإطار القانوني للرقابة على مسالك التوزيع، وتكريس الرقمنة كأداة أساسية للشفافية، بما يسمح بتتبع مسار السلع من الإنتاج إلى الاستهلاك، وضمان وضوح حركة المواد الأساسية داخل السوق.
وشدد النائب على أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة جديدة قوامها التوازن بين التدخل الأمني والإصلاح الاقتصادي والتشريعي، بما يضمن معالجة جذرية لظاهرة الاحتكار ويحدّ من انعكاساتها على المواطن.
وفي جانب آخر، وفي إطار الحملات الأمنية ، تواصل الوحدات الأمنية مجهوداتها لمكافحة الجريمة بمختلف أنواعها، وخاصة منها جرائم الحق العام وترويج المخدرات التي تُعد من أبرز التحديات الأمنية الراهنة. وقد أسفرت هذه العمليات عن تفكيك عدد من الشبكات الإجرامية وإيقاف عناصر مفتش عنها، إضافة إلى حجز كميات هامة من المواد المخدرة والأسلحة البيضاء، في إطار مقاربة تهدف إلى اتجفيف المنابعب واستهداف الشبكات المنظمة بدل الاكتفاء بالعناصر التنفيذية.
وتعتمد هذه الإستراتيجية على تكثيف الدوريات والحملات الميدانية وتحديث أساليب التحري، مع تركيز خاص على النقاط السوداء على غرار محطات النقل والمناطق ذات الكثافة السكانية والمؤسسات التربوية، بما يساهم في تعزيز الإحساس بالأمن لدى المواطنين والحد من انتشار الظواهر الإجرامية.
فيلم “قيد عالساسي” لصالح الجدي: وثائقي يعيد كتابة ذاكرة المقاومة التونسية بين التوثيق والتصحيح التاريخي
الصحافة اليوم:عواطف السويدي في سياق متجدد لإحياء الذاكرة الوطنية وإعادة…
