2026-05-27

الكوفواتيراج‭ ‬في‭ ‬تونس‭:‬ سفر‭ ‬جماعي‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭.. ‬ومنقذ‭ ‬يومي‭ ‬لآلاف‭ ‬التونسيين

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

في‭ ‬كل‭ ‬عيد‭ ‬تتحوّل‭ ‬عشرات‭ ‬الصفحات‭ ‬والمجموعات‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬افايسبوكب‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬نقل‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬والولايات‭ ‬التونسية‭ ‬وتسهل‭ ‬تنقلات‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬مقعد‭ ‬شاغر‭ ‬بسعر‭ ‬أقل‭ ‬ورحلة‭ ‬أسرع‭. ‬إنها‭ ‬ظاهرة‭ ‬االكوفواتيراجب‭ ‬أو‭ ‬النقل‭ ‬التشاركي‭ ‬غير‭ ‬المنظم،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لآلاف‭ ‬التونسيين،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬التونسي‭ ‬يعتبرها‭ ‬نشاطًا‭ ‬مخالفًا‭ ‬ويصنفها‭ ‬ضمن‭ ‬النقل‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬للأشخاص‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة‭ ‬أو‭ ‬صفاقس‭ ‬أو‭ ‬سوسة،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الأعياد‭ ‬والعطل‭ ‬الجامعية‭ ‬والمناسبات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ففي‭ ‬ولايات‭ ‬مثل‭ ‬القيروان‭ ‬وقفصة‭ ‬وسيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬والكاف‭ ‬وجندوبة،‭ ‬تنشط‭ ‬عشرات‭ ‬الصفحات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬رحلات‭ ‬يومية‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬المرتفع‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬وضعف‭ ‬خدمات‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬تنامي‭ ‬االكوفواتيراجب‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬موضة‭ ‬شبابية‭ ‬مستوردة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬انعكاسًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لتحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬عميقة‭. ‬فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النقل،‭ ‬وصعوبة‭ ‬إيجاد‭ ‬تذاكر‭ ‬في‭ ‬الحافلات‭ ‬والقطارات‭ ‬خلال‭ ‬الذروة،‭ ‬وتراجع‭ ‬نسق‭ ‬الرحلات‭ ‬العمومية،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬دفعت‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬بديلة‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭.‬

في‭ ‬محطات‭ ‬النقل‭ ‬بالعاصمة،‭ ‬يتحدث‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬والموظفين‭ ‬عن‭ ‬االكوفواتيراجب‭ ‬باعتباره‭ ‬االمنقذ‭ ‬الوحيدب‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬عائلاتهم‭ ‬بأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬وأقل‭ ‬انتظار‭. ‬بعضهم‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬عبر‭ ‬السيارات‭ ‬الخاصة‭ ‬أصبحت‭ ‬أحيانًا‭ ‬أكثر‭ ‬أمانًا‭ ‬وراحة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬التقليدية‭ ‬المكتظة‭ ‬والمتعبة‭. ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نشاط‭ ‬تجاري‭ ‬موازٍ‭ ‬واضح،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬أشخاص‭ ‬ينظمون‭ ‬رحلات‭ ‬يومية‭ ‬ثابتة‭ ‬ويحققون‭ ‬أرباحًا‭ ‬منتظمة‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬اتقاسم‭ ‬المصاريفب‭.‬

وتختلف‭ ‬أسعار‭ ‬الرحلات‭ ‬حسب‭ ‬الوجهات‭ ‬والطلب‭ ‬والمناسبات‭. ‬ففي‭ ‬الأعياد‭ ‬مثلاً،‭ ‬ترتفع‭ ‬التسعيرة‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬وقد‭ ‬تتجاوز‭ ‬أحيانًا‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭ ‬التقليدي‭. ‬كما‭ ‬ظهرت‭ ‬اتسعيرات‭ ‬مرنةب‭ ‬مرتبطة‭ ‬بسرعة‭ ‬الرحلة‭ ‬ونوعية‭ ‬السيارة‭ ‬وعدد‭ ‬الركاب‭ ‬وحتى‭ ‬توقيت‭ ‬السفر‭ ‬الليلي‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يثير‭ ‬توسع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬مخاوف‭ ‬قانونية‭ ‬وأمنية‭ ‬متزايدة‭. ‬فالقانون‭ ‬التونسي‭ ‬المنظم‭ ‬للنقل‭ ‬البري‭ ‬يمنع‭ ‬استعمال‭ ‬السيارات‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الأشخاص‭ ‬بمقابل‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬المرخص‭ ‬لها،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬منافسة‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬لقطاع‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭ ‬والنقل‭ ‬الريفي‭ ‬وسيارات‭ ‬الأجرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرحلات‭ ‬تتم‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬رقابة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬السائقين‭ ‬أو‭ ‬الحالة‭ ‬الفنية‭ ‬للعربات‭ ‬أو‭ ‬التغطية‭ ‬التأمينية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للركاب‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تسجيل‭ ‬عدة‭ ‬حوادث‭ ‬ومشاكل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التنقل،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬خلافات‭ ‬مالية‭ ‬وحوادث‭ ‬مرور‭ ‬وحتى‭ ‬عمليات‭ ‬تحيل،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬الاتفاق‭ ‬عبر‭ ‬الصفحات‭ ‬المفتوحة‭ ‬ومجموعات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬ضمانات‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬قابلة‭ ‬للتوسع‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬هناك‭ ‬نصوص‭ ‬قانونية‭ ‬تجرم‭ ‬النقل‭ ‬العشوائي‭ ‬للأشخاص،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬هناك‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العجز‭ ‬المزمن‭ ‬لمنظومة‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭ ‬عن‭ ‬الاستجابة‭ ‬لحاجيات‭ ‬المواطنين،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭ ‬والمناسبات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬زالكوفواتيراجس‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أصبح‭ ‬مرآة‭ ‬لبعض‭ ‬الاختلالات‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد؛‭ ‬فهو‭ ‬يكشف‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية،‭ ‬ويعكس‭ ‬توسع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬حساس،‭ ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬قدرة‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬بدائل‭ ‬سريعة‭ ‬تتجاوز‭ ‬القوانين‭ ‬والإجراءات‭ ‬التقليدية‭.‬

كما‭ ‬ساهمت‭ ‬الثقافة‭ ‬الرقمية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬الظاهرة‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التونسي‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬يخالف‭ ‬القانون‭ ‬عندما‭ ‬يحجز‭ ‬مقعدًا‭ ‬عبر‭ ‬االفايسبوكب،‭ ‬بل‭ ‬يعتبر‭ ‬الأمر‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التضامن‭ ‬وتقاسم‭ ‬الأعباء،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الغلاء‭ ‬المتواصل‭ ‬وتدهور‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

وبين‭ ‬من‭ ‬يعتبر‭ ‬االكوفواتيراجب‭ ‬حلاً‭ ‬ذكياً‭ ‬لأزمة‭ ‬النقل،‭ ‬ومن‭ ‬يراه‭ ‬تهديدًا‭ ‬لسلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬وللقطاع‭ ‬المنظم،‭ ‬فإن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬مرشحة‭ ‬لمزيد‭ ‬التوسع،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬أنجبتها‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭. ‬فحين‭ ‬يعجز‭ ‬المواطن‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬أو‭ ‬حافلة،‭ ‬أو‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬كلفة‭ ‬التنقل،‭ ‬فإنه‭ ‬يبحث‭ ‬تلقائيًا‭ ‬عن‭ ‬اطريق‭ ‬موازيةب‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

انطلاق‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للباكالوريا‭ ‬ ‭ ‬محطة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬آلاف‭ ‬التلاميذ‭…‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ تنطلق‭ ‬غدا‭ ‬الأربعاء‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬…