الكوفواتيراج في تونس: سفر جماعي خارج القانون.. ومنقذ يومي لآلاف التونسيين
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
في كل عيد تتحوّل عشرات الصفحات والمجموعات على موقع افايسبوكب إلى محطات نقل غير رسمية تربط بين مختلف المدن والولايات التونسية وتسهل تنقلات الباحثين عن مقعد شاغر بسعر أقل ورحلة أسرع. إنها ظاهرة االكوفواتيراجب أو النقل التشاركي غير المنظم، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءًا من الحياة اليومية لآلاف التونسيين، رغم أن القانون التونسي يعتبرها نشاطًا مخالفًا ويصنفها ضمن النقل غير القانوني للأشخاص.
اللافت أن الظاهرة لم تعد تقتصر على المدن الكبرى مثل تونس العاصمة أو صفاقس أو سوسة، بل امتدت بشكل واضح إلى مختلف الجهات الداخلية، خاصة في فترات الأعياد والعطل الجامعية والمناسبات الاجتماعية. ففي ولايات مثل القيروان وقفصة وسيدي بوزيد والكاف وجندوبة، تنشط عشرات الصفحات المحلية التي تنظم رحلات يومية بين المدن، مستفيدة من الطلب المرتفع على التنقل وضعف خدمات النقل العمومي.
ويبدو أن تنامي االكوفواتيراجب في تونس لم يعد مجرد موضة شبابية مستوردة من التجارب الأوروبية، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فارتفاع أسعار النقل، وصعوبة إيجاد تذاكر في الحافلات والقطارات خلال الذروة، وتراجع نسق الرحلات العمومية، كلها عوامل دفعت المواطنين إلى البحث عن حلول بديلة ولو كانت خارج الإطار القانوني.
في محطات النقل بالعاصمة، يتحدث كثير من الطلبة والموظفين عن االكوفواتيراجب باعتباره االمنقذ الوحيدب للعودة إلى عائلاتهم بأقل تكلفة وأقل انتظار. بعضهم يؤكد أن الرحلة عبر السيارات الخاصة أصبحت أحيانًا أكثر أمانًا وراحة من وسائل النقل التقليدية المكتظة والمتعبة. بينما يرى آخرون أن الأمر تحول إلى نشاط تجاري موازٍ واضح، خاصة مع وجود أشخاص ينظمون رحلات يومية ثابتة ويحققون أرباحًا منتظمة تحت غطاء اتقاسم المصاريفب.
وتختلف أسعار الرحلات حسب الوجهات والطلب والمناسبات. ففي الأعياد مثلاً، ترتفع التسعيرة بشكل لافت، وقد تتجاوز أحيانًا أسعار النقل العمومي التقليدي. كما ظهرت اتسعيرات مرنةب مرتبطة بسرعة الرحلة ونوعية السيارة وعدد الركاب وحتى توقيت السفر الليلي.
من جهة أخرى، يثير توسع هذه الظاهرة مخاوف قانونية وأمنية متزايدة. فالقانون التونسي المنظم للنقل البري يمنع استعمال السيارات الخاصة في نقل الأشخاص بمقابل خارج الأطر القانونية المرخص لها، باعتبار ذلك منافسة غير قانونية لقطاع النقل العمومي والنقل الريفي وسيارات الأجرة. كما أن العديد من الرحلات تتم دون أي رقابة فعلية على هوية السائقين أو الحالة الفنية للعربات أو التغطية التأمينية الحقيقية للركاب.
وقد شهدت السنوات الماضية تسجيل عدة حوادث ومشاكل مرتبطة بهذا النوع من التنقل، من بينها خلافات مالية وحوادث مرور وحتى عمليات تحيل، خاصة عند الاتفاق عبر الصفحات المفتوحة ومجموعات التواصل الاجتماعي دون أي ضمانات قانونية واضحة.
ورغم ذلك، تبدو هذه الظاهرة قابلة للتوسع. فمن جهة، هناك نصوص قانونية تجرم النقل العشوائي للأشخاص، ومن جهة أخرى هناك واقع اجتماعي يفرض نفسه بقوة، في ظل العجز المزمن لمنظومة النقل العمومي عن الاستجابة لحاجيات المواطنين، خاصة في فترات الذروة والمناسبات.
كما أن زالكوفواتيراجس في تونس أصبح مرآة لبعض الاختلالات التي تعيشها البلاد؛ فهو يكشف أزمة ثقة في الخدمات العمومية، ويعكس توسع الاقتصاد الموازي في قطاع حساس، كما يبرز قدرة الفضاء الرقمي على خلق بدائل سريعة تتجاوز القوانين والإجراءات التقليدية.
كما ساهمت الثقافة الرقمية الجديدة في التطبيع مع الظاهرة اجتماعيًا، حيث لم يعد التونسي يشعر بأنه يخالف القانون عندما يحجز مقعدًا عبر االفايسبوكب، بل يعتبر الأمر شكلاً من أشكال التضامن وتقاسم الأعباء، خاصة في ظل الغلاء المتواصل وتدهور القدرة الشرائية.
وبين من يعتبر االكوفواتيراجب حلاً ذكياً لأزمة النقل، ومن يراه تهديدًا لسلامة المواطنين وللقطاع المنظم، فإن المؤكد أن الظاهرة مرشحة لمزيد التوسع، ما دامت الأسباب الحقيقية التي أنجبتها ما تزال قائمة. فحين يعجز المواطن عن إيجاد مقعد في قطار أو حافلة، أو يعجز عن تحمل كلفة التنقل، فإنه يبحث تلقائيًا عن اطريق موازيةب للحصول على مثل هذه الخدمات.
انطلاق الدورة الرئيسية للباكالوريا محطة حاسمة في مسار آلاف التلاميذ…
الصحافة اليوم:مصباح الجدي تنطلق غدا الأربعاء امتحانات الباكالوريا في …
