2026-04-26

السّدود تتحوّل إلى مصائد موت: تحذيرات متجدّدة بعد تكرّر حوادث الغرق

رغم‭ ‬الدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬السدود‭ ‬في‭ ‬تخزين‭ ‬المياه‭ ‬ومجابهة‭ ‬الجفاف،‭ ‬فإنها‭ ‬تتحول‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬جذب‭ ‬غير‭ ‬آمنة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬للشباب‭ ‬والأطفال‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الترفيه‭. ‬ومع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬دافئ،‭ ‬يتكرر‭ ‬نفس‭ ‬السيناريو‭.. ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الحوادث،‭ ‬وتدخلات‭ ‬متكررة‭ ‬لوحدات‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الاطار‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الحوادث‭ ‬تأثيرًا‭ ‬هذا‭ ‬الموسم،‭ ‬شهدت‭ ‬معتمدية‭  ‬اتستورب‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬باجة‭ ‬يوم‭  ‬21‭ ‬أفريل‭ ‬الجاري‭  ‬فاجعة‭ ‬مؤلمة‭ ‬تمثّلت‭ ‬في‭ ‬غرق‭ ‬تلميذ‭ ‬بالسنة‭ ‬الرابعة‭ ‬ثانوي‭ ‬داخل‭ ‬مياه‭ ‬سد‭ ‬سيدي‭ ‬سالم‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬اجتيازه‭ ‬اختبار‭ ‬التربية‭ ‬البدنية‭ ‬ضمن‭ ‬امتحانات‭ ‬الباكالوريا‭. ‬

ووفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬توجّه‭ ‬التلميذ‭ ‬رفقة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أصدقائه‭ ‬إلى‭ ‬السد‭ ‬للسباحة،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬بدت‭ ‬عادية‭ ‬للاحتفال‭ ‬أو‭ ‬الترفيه‭ ‬بعد‭ ‬الامتحان،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭ ‬فجأة‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬داخل‭ ‬المياه‭ ‬وقد‭ ‬تدخلت‭ ‬وحدات‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬حيث‭ ‬انطلقت‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬والغوص،‭ ‬ليتم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬انتشال‭ ‬جثته‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬خلّف‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬عائلته‭ ‬وزملائه‭ ‬والإطار‭ ‬التربوي‭.‬

حوادث‭ ‬متكررة‭ ‬تدق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر

لم‭ ‬تعد‭ ‬حوادث‭ ‬الغرق‭ ‬في‭ ‬السدود‭ ‬حالات‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬متكرّرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭. ‬

وتؤكد‭ ‬المعطيات‭ ‬أن‭ ‬الإقبال‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬السدود‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الحرّ،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬فضاءات‭ ‬ترفيهية‭ ‬آمنة،‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬نقص‭ ‬الوعي‭ ‬بالمخاطر‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تخفيها‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭. ‬ويحذر‭ ‬أهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬من‭ ‬السدود‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أماكن‭ ‬مناسبة‭ ‬للسباحة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تشكّل‭ ‬بيئة‭ ‬شديدة‭ ‬الخطورة،‭ ‬وذلك‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬أبرزها‭ ‬عمقها‭ ‬غير‭ ‬المتجانس‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفاجئ‭  ‬السباحين‭ ‬وتيارات‭ ‬مائية‭ ‬خفية‭ ‬وقوية‭ ‬وبرودة‭ ‬المياه‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسبب‭ ‬صدمة‭ ‬للجسم‭ ‬،‭ ‬كذلك‭ ‬غياب‭ ‬الحراسة‭ ‬والانقاذ‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الانزلاقات‭ ‬بسبب‭ ‬الطين‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬السد‭ ‬الذي‭ ‬يعيق‭ ‬الحركة‭ . ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ضع‭ ‬ف‭ ‬الوعي‭ ‬بهذه‭ ‬المخاطر‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬تكرار‭ ‬حوادث‭ ‬الغرق‭.‬

تحرك‭ ‬رسمي‭ ‬وإجراءات‭ ‬وقائية

‭ ‬أمام‭ ‬تفاقم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬،‭ ‬سارعت‭ ‬السلطات‭ ‬الجهوية‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الوقائية‭. ‬فقد‭ ‬دعت‭ ‬ولاية‭ ‬باجة‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬السدود‭ ‬والبرك،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تمثّل‭ ‬خطرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬على‭ ‬الأرواح‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعلنة‭ ‬اطلاق‭ ‬حملات‭ ‬تحسيسية‭ ‬مكثفة‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬والمجتمع‭ ‬وتكثيف‭ ‬الرقابة‭  ‬بمحيط‭ ‬السدود‭ ‬والأودية‭ ‬وتركيز‭ ‬لافتات‭ ‬تحذيرية‭ ‬واضحة‭ ‬تمنع‭ ‬السباحة‭ ‬وإقامة‭ ‬حواجز‭ ‬وقائية‭ ‬في‭ ‬النقاط‭ ‬الخطرة‭ ‬وتعزيز‭ ‬جاهزية‭ ‬التدخل‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭.‬

‭ ‬مسـؤولية‭ ‬جـماعـية

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬المسؤولية‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأولياء‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬،‭ ‬اذ‭ ‬يعتبر‭ ‬أهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬المراقبة‭ ‬العائلية،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬العطل،‭ ‬يعرّض‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬السلامة‭ ‬المائية‭ ‬والتوعية‭ ‬بالمخاطر‭ ‬يبقى‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬يجهلون‭ ‬أساسيات‭ ‬السلامة‭ ‬المائية،‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬السباحة‭ ‬منفردًا‭ ‬،‭ ‬تجنب‭ ‬القفز‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬مجهولة‭ ‬العمق‭ ‬وخطورة‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬غير‭ ‬مراقبة‭.‬

وتشير‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الأطفال،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نقص‭ ‬التوعية‭ ‬لدى‭ ‬العائلات‭ ‬أيضًا‭.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬غياب‭ ‬إحصائيات‭ ‬وطنية‭ ‬دقيقة‭ ‬منشورة‭ ‬بشكل‭ ‬دوري،‭ ‬فإن‭ ‬الحوادث‭ ‬تتكرر‭ ‬سنويًا‭ ‬وبنسق‭ ‬تصاعدي‭ ‬والضحايا‭ ‬يكونون‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمناطق‭ ‬الريفية‭ ‬وشبه‭ ‬الحضرية‭ .‬

وتؤكد‭ ‬السلطات‭ ‬الجهوية‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬سلوكا‭ ‬موسميا‭ ‬خطيرا‭ ‬يستوجب‭ ‬تدخلًا‭ ‬مستمرًا‭.‬

ويرى‭ ‬المراقبون‭ ‬أن‭ ‬تكرر‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالًا‭ ‬عميقا‭ ‬يتعلق‭ ‬بنقص‭ ‬الفضاءات‭ ‬الترفيهية‭ ‬المؤهلة‭ ‬والآمنة،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬خطيرة‭. ‬وهوما‭ ‬يستدعي‭ ‬،‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الترفيهية‭  ‬والمسابح‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تستجيب‭ ‬لمتطلبات‭ ‬السلامة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

التّحول الرقمي في القطاع الصحي: منصّة «نجدة» تسجل أكثر من 3000 مريض وتُعزّز سرعة إنقاذ الحالات القلبية

في خطوة تعكس التحوّل الرقمي المتسارع في القطاع الصحي، برزت منصة «نجدة» كأحد أبرز المشاريع …