النظام الأساسي لقطاع الصحة تحت مجهر البرلمان: خطوة إصلاحية لتعزيز صمود القطاع..
عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس نواب الشعب أول أمس الثلاثاء جلسة استماع خُصصت لمواصلة النظر في مقترح القانون المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لقطاع الصحة، وذلك بحضور أصحاب المبادرة التشريعية، وفي ضوء الملاحظات والمقترحات التي تقدمت بها مختلف الأطراف المهنية والنقابية والخبراء الذين تم الاستماع إليهم في جلسات سابقة.
وتندرج هذه الجلسة ضمن مسار تشريعي شامل، تسعى من خلاله اللجنة إلى تجميع مختلف وجهات النظر قبل المرور إلى مرحلة مناقشة فصول النص المقترح تفصيليًا، بما يضمن صياغة قانون يستجيب لخصوصيات القطاع الصحي ويوازن في الآن ذاته بين المطالب المهنية والإمكانيات المتاحة.
وقد تمحورت النقاشات مع ممثلي جهة المبادرة حول الإطار القانوني الحالي المنظم لوضعية أعوان الصحة، والذي يعود إلى سنة 1983، حيث لفتوا الى انه لم يعد مواكبًا للتحولات العميقة التي شهدها القطاع. واعتبروا أن إخضاع مهنيي الصحة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية لا يراعي خصوصياتهم المهنية، المرتبطة بطبيعة العمل وضغطه وطول ساعاته والمخاطر التي ينطوي عليها، وهو ما يستدعي وفق تقديرهم إرساء نظام أساسي مستقل يكرّس هذه الخصوصية ويعزّز جاذبية القطاع.
ويتضمن مقترح القانون جملة من الأحكام الجديدة، من أبرزها التنصيص على اعتبار مهن الصحة «مهنًا شاقة»، بما يستوجب إقرار امتيازات مهنية واجتماعية، تشمل مراجعة منظومة الحوافز، وإحداث منح خصوصية، على غرار منح العمل بالمناطق ذات الأولوية أو بالأقسام الثقيلة، إضافة إلى تمتيع أعوان الصحة وعائلاتهم بمجانية العلاج.
كما ينص المشروع على أحكام خاصة بتنظيم توقيت العمل والعطل بما يتلاءم مع خصوصية القطاع، إلى جانب تجريم الاعتداءات التي يتعرض لها مهنيّو الصحة أثناء أداء مهامهم، في ظل تنامي هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، عبّر عدد من النواب والمتدخلين عن تحفظات بخصوص بعض مضامين المقترح، خاصة مسألة إفراد قطاع بعينه بنظام أساسي خاص، معتبرين أن هذا التوجه، رغم وجاهته، يستوجب حذرًا لتفادي تكريس منطق الفئوية داخل الوظيفة العمومية وفتح المجال أمام مطالب مماثلة من قطاعات أخرى.
كما نبّهوا إلى أن تعميم تصنيف جميع المهن الصحية ضمن «المهن الشاقة» قد تكون له انعكاسات مالية هامة، سواء على مستوى كتلة الأجور أو على أنظمة الضمان الاجتماعي، وهو ما قد يثقل كاهل المالية العمومية.
بين ضرورة الإصلاح ومحدّدات الواقع
وأوضح مقرر لجنة الصحة بمجلس نواب الشعب، رؤوف الفقيري في حديثه لـ«الصحافة اليوم» أن مقترح القانون المتعلق بإصلاح النظام الأساسي العام لقطاع الصحة يندرج ضمن مسار إصلاحي شامل يهدف إلى إعادة تنظيم القطاع وتعزيز صموده، معتبرًا أنه يمثل أحد أبرز الأدوات التشريعية القادرة على الحد من هجرة الإطارات الطبية وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات الصحية.
وأكد أن هذا المشروع سيمكّن من ضبط مختلف المسارات المهنية للأعوان الراجعين بالنظر لوزارة الصحة، من خلال تنظيم آليات الانتداب والترقية وإقرار منظومة واضحة للمنح والحوافز، بما يعزز جاذبية القطاع ويعيد التوازن لمنظومة الموارد البشرية.
وفي ما يتعلق بالتحفظات المثارة حول الكلفة المالية لبعض الإجراءات، خاصة تصنيف المهن الصحية كمهن شاقة، أشار الفقيري إلى أن اللجنة تعتمد مقاربة تدريجية، تقوم على إعادة النظر في الفصول ذات الانعكاسات المالية بالتنسيق مع وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، بما يضمن تحقيق الإصلاح دون الإخلال بالتوازنات المالية، مع إمكانية منح هامش أوسع لوزارة الصحة في التصرف.
وبيّن أن المشروع، الذي تم تقديمه في أفريل 2025 بمبادرة من الراحل النائب نبيه ثابت وبدعم 105 نواب، يتكوّن من أربعة أبواب و96 فصلًا، ويرتكز على تكريس الحق في الصحة وتحسين جودة الخدمات، إلى جانب الاعتراف بخصوصية المهن الصحية.
وأضاف أن الباب المتعلق بالحوكمة يهدف إلى إعادة تنظيم الإطار الإداري للمؤسسات الصحية وتوضيح مسارات الموارد البشرية، بما يساعد على الحد من نزيف الكفاءات، في حين يعالج باب التمويل إشكاليات الموارد من خلال البحث عن مصادر مستدامة وتعزيز آليات التصرف والرقابة. كما يتضمن المشروع بابًا خاصًا بالتحفيزات، يشمل مراجعة نظام العطل وإقرار حوافز مادية وتحسين ظروف العمل، خاصة للأعوان المباشرين للمرضى.
وشدد الفقيري على أن هذا المشروع لا يمثل حلاّ نهائيًا لكل الإشكاليات، لكنه خطوة أساسية في اتجاه إصلاح هيكلي طال انتظاره، داعيًا إلى تسريع وتيرة مناقشته والمصادقة عليه، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من هجرة الأطباء التي باتت تهدد استقرار المنظومة الصحية.
وشدد على أن إنجاح هذا المسار الإصلاحي يظل مرتبطًا بتكامل أدوار مختلف المتدخلين، من سلطتين تشريعية وتنفيذية، إلى جانب مهنيي القطاع، بما يضمن استعادة ثقة المواطن في المرفق الصحي العمومي وتحسين جودة خدماته.
لجنة المالية تنظر في مشروع القانون الأساسي لتنقيح الميزانية: نحو حوكمة مالية أكثر صرامة
انطلقت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، في اجتماعها أول أمس الإثنين 4 ماي 2026، …
