تعاون تونسي ـ ياباني مقاربات جديدة لتخفيف أزمة التّنقل في العاصمة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
تتواصل في تونس مساعي البحث عن حلول عملية لأزمة النقل الحضري التي أصبحت من أبرز التحديات اليومية للمواطنين، خاصة في منطقة تونس الكبرى التي تشهد ضغطًا سكانيًا وعمرانيًا متزايدًا. وبين الاكتظاظ المروري، وتأخر وسائل النقل العمومي، وصعوبة التنقل بين الضواحي ومركز العاصمة، تتجه الأنظار نحو التجارب الدولية الناجحة، وفي مقدمتها التجربة اليابانية المعروفة بدقتها ونجاعتها في إدارة منظومات النقل الحضري.
وفي هذا الإطار، انتظم مؤخرا باليابان برنامج تكويني لفائدة 12 إطارًا تونسيًا من وزارات التجهيز والنقل والداخلية، إلى جانب ممثلين عن بلدية تونس، وذلك ضمن مشروع إعداد المخطط التوجيهي للتنقل الحضري بتونس الكبرى. ويُنفذ هذا المشروع بالتعاون بين وكالة التهيئة العمرانية لتونس الكبرى والوكالة اليابانية للتعاون الدولي اجايكاب، في خطوة تعكس سعي تونس للاستفادة من الخبرات الأجنبية في مجال التخطيط الحضري والتنقل الذكي.
البرنامج التكويني لم يكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل تضمن سلسلة من المحاضرات والدروس التطبيقية ودراسات الحالة التي أتاحت للمشاركين الاطلاع المباشر على النموذج الياباني في إدارة النقل والتهيئة العمرانية. كما شملت الزيارة لقاءات مع مسؤولين يابانيين مختصين في البنية التحتية والنقل، إضافة إلى زيارات ميدانية إلى محطات النقل في هيروشيما وأوساكا، والاطلاع على شبكة المترو في طوكيو، التي تُعد من أكثر شبكات النقل نجاعة وتنظيمًا في العالم.
ويبدو أن الرهان التونسي اليوم لا يقتصر فقط على تحديث وسائل النقل، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة التفكير في العلاقة بين المدينة والتنقل. فالتجربة اليابانية تقوم على مفهوم االتنمية الموجّهة نحو النقل الجماعيب أو ما يُعرف اختصارًا بـTOD، وهو نموذج يعتمد على تطوير الأحياء والمشاريع العمرانية حول محطات النقل العمومي، بما يسهّل تنقل السكان ويخفف الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة.
هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في تونس، حيث تشهد العاصمة وضواحيها توسعًا عمرانيًا سريعًا في مقابل محدودية البنية التحتية للنقل. ويكفي التنقل يوميًا بين مناطق مثل أريانة وبن عروس ومنوبة ووسط العاصمة لملاحظة حجم الاختناق المروري وطول ساعات الانتظار، سواء بالنسبة إلى مستعملي الحافلات أو المترو أو حتى السيارات الخاصة.
ويرى متابعون للشأن الحضري أن نجاح أي إصلاح في قطاع النقل لا يمكن أن يتحقق فقط عبر اقتناء حافلات جديدة أو تحديث بعض الخطوط، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تتداخل فيها التهيئة العمرانية مع التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. فالمدن الحديثة أصبحت تُبنى حول شبكات النقل، لا العكس، وهو ما نجحت فيه اليابان على مدى عقود من خلال الدمج بين التخطيط العمراني والخدمات اللوجستية والتنقل الجماعي.
ومن النقاط اللافتة أيضًا في المشروع الجاري، انطلاق عملية إنجاز استبيان ميداني يشمل 7000 أسرة موزعة على ولايات تونس الكبرى الأربع: تونس ومنوبة وأريانة وبن عروس. وتهدف هذه الدراسة إلى فهم عادات التنقل لدى المواطنين وتحديد احتياجاتهم الحقيقية، وهو ما يعكس توجهًا جديدًا يقوم على إشراك المعطيات الميدانية في صياغة السياسات العمومية بدل الاكتفاء بالحلول النظرية.
من جهة أخرى فإن الاعتماد على الدراسات الميدانية يُعد عنصرًا أساسيًا في إنجاح أي مخطط للنقل الحضري، لأن مشاكل التنقل تختلف من منطقة إلى أخرى، كما أن أولويات المواطنين تتباين بين الحاجة إلى السرعة أو الكلفة أو السلامة أو الربط بين الأحياء.
أهمية هذه المبادرات، سيكون لها ارتباط وثيق بمدى القدرة على تحويل هذه الدراسات إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، خاصة في ظل الصعوبات المالية التي تواجهها مؤسسات النقل العمومي، والتعقيدات المرتبطة بالبنية التحتية والتمويل.مع الاشارة إلى أن الانفتاح على التجارب الدولية، وخاصة التجربة اليابانية، قد يمثل فرصة حقيقية لتونس من أجل إعادة بناء منظومة نقل حضري أكثر كفاءة واستدامة، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.
الباكالوريا التجريبية 2026: تلاميذ بين ضغط الإمتحانات وآمال الدورة الرئيسية
تعيش المعاهد الثانوية في تونس على وقع اختبارات الباكالوريا التجريبية، التي تمثل المحطة الأ…
