حضور متجدّد في الأقسام الموازية ورهــانـات جمـالـيـة عـن الـهـويـة والــمـنــفــى
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
رغم استمرار غياب الأفلام العربية عن المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي، فإنّ السينما العربية تواصل تثبيت حضورها داخل واحد من أهم المواعيد السينمائية العالمية، من خلال مشاركات لافتة في قسم انظرة ماب واأسبوع النقادب وانصف شهر المخرجينب. حضور لا يقاس هذه المرّة بعدد الأفلام فقط، بل بطبيعة المشاريع المختارة، وما تحمله من رهانات جمالية وإنسانية تعبّر عن تحوّلات السينما العربية الجديدة، وانفتاحها على أسئلة الذات والهامش والحرب والمنفى والذاكرة الجماعية.
وتكشف المشاركة العربية في دورة 2026 التي تمتد من 12 ماي إلى 23 من الشهر ذاته عن تنوّع جغرافي لافت يمتدّ من فلسطين والمغرب إلى السودان واليمن وسوريا، كما تعكس نزوعًا واضحًا نحو سينما أكثر حميمية وتجريبًا، تراهن على اللغة البصرية والاشتغال على التفاصيل الإنسانية بدل الاكتفاء بالسرد السياسي المباشر.
فلسطينة الذاكرة كجرح يومي
ضمن قسم انظرة ماب يبرز الفيلم الفلسطيني االبارح العين ما نامتب للمخرجة “راكان مياسي”، وهو عمل يواصل الاشتغال على اليومي الفلسطيني بوصفه مساحة للتأمل الإنساني العميق. ومن خلال عنوانه الشاعري الكثيف، يشي الفيلم بعالم مثقل بالانتظار والقلق والأرق الوجودي، حيث تتحوّل الحياة تحت الضغط السياسي إلى حالة دائمة من السهر الداخلي.
وتُعرف “راكان مياسي” باهتمامها بالشخصيات الهشّة والهامشية، وبقدرتها على بناء مناخات بصرية مشحونة بالصمت والتوتّر النفسي، وهو ما يجعل هذا العمل امتدادًا لسينما فلسطينية جديدة تبحث عن الإنسان داخل العاصفة، لا عن الشعارات الكبرى فقط.
وفي المقابل، يشارك المخرج السوداني “إبراهيم عمر” بفيلمه الا شيء يحدث بعد غيابكب ضمن انصف شهر المخرجينب، وهو عنوان يحمل بدوره بعدًا تأمليًا حول الفقد والمنفى والعلاقات المتآكلة تحت وطأة الغياب. ويبدو الفيلم، وفق ما رشح عنه، أقرب إلى سينما داخلية تنشغل بالأثر النفسي للغياب أكثر من الحدث نفسه، حيث يصبح الزمن معلّقًا، وتتحول الذاكرة إلى بطل خفي يقود الشخصيات نحو هشاشتها الإنسانية.
ويؤكد الفيلمان معًا قدرة السينما العربية على تجاوز الصورة النمطية التي تحصرها في التوثيق السياسي المباشر، لتصبح أكثر اشتغالًا على الأسئلة الوجودية والإنسانية المفتوحة.
المغربة البحث عن الذات وسط التحولات
ويأتي الحضور المغربي في اكان 2026ب عبر فيلم اتوت الأرضب للمخرجة ليلى المراكشي ضمن قسم انظرة ماب، وهو عمل يبدو، من عنوانه وصوره الأولى، شديد الالتصاق بالأرض والهوية والعلاقة المعقّدة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي والاجتماعي.
وتُعرف ليلى المراكشي بقدرتها على تفكيك العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي المعاصر، وباشتغالها على شخصيات نسائية تواجه تحوّلات عميقة داخل فضاءات محافظة أو متحوّلة. ويبدو أنّ اتوت الأرضب يواصل هذا المسار من خلال لغة بصرية شاعرية تستثمر الطبيعة بوصفها مرآة للقلق الداخلي والتحولات النفسية.
كما يشارك المخرج سعيد حميش بفيلمه االبحث عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراءب ضمن انصف شهر المخرجينب، وهو عنوان يشي منذ البداية بنزعة رمزية وتأملية واضحة. ويبدو الفيلم أقرب إلى رحلة بحث وجودية تتقاطع فيها الأسئلة الشخصية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، عبر معالجة بصرية تعتمد على الإيحاء والغموض أكثر من السرد التقليدي المباشر.
ويؤكد الحضور المغربي هذا العام استمرار السينما المغربية في تعزيز مكانتها داخل المهرجانات الكبرى، بفضل جيل من المخرجين الذين يجمعون بين الحسّ الفني والاشتغال الجمالي والقدرة على مساءلة المجتمع والتحولات المعاصرة.
السودان واليمنة الحرب بوصفها مادة إنسانية
ويشارك الفيلم السوداني “المحطّة” ضمن اأسبوع النقادب وهو للمخرجة سارة إسحاق، في تجربة تبدو مشبعة بأسئلة الانتظار والهجرة والعبور. والعنوان نفسه يحيل إلى فضاء مؤقت، تتقاطع داخله المصائر البشرية المعلّقة بين الرحيل والبقاء.
وتتميّز أعمال سارة إسحاق عادة بقدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة داخل واقع مضطرب، وبنزعتها الوثائقية التي تمزج بين الحميمي والسياسي. ومن المرجّح أن يواصل االمحطةب هذا التوجّه عبر الاشتغال على شخصيات تعيش على حافة الانكسار، داخل بلد ما يزال يعيش ارتدادات الحرب والتشظي.
أما الحضور اليمني فيأتي عبر فيلم اكفنب للمخرج داود العبد الله ضمن اأسبوع النقادب، وهو عنوان مكثّف وصادم يختزل منذ الوهلة الأولى ثقل الموت والحرب والفقد. ويبدو الفيلم غارقًا في أجواء الخراب الإنساني الذي تعيشه اليمن، لكنه، في الآن نفسه، يسعى إلى تحويل هذا الخراب إلى مادة بصرية وتأملية، تطرح أسئلة الحياة والموت والكرامة الإنسانية.
وتؤكد التجربتان السودانية واليمنية أنّ السينما القادمة من مناطق النزاع لم تعد مجرّد شهادة على الدمار، بل أصبحت تشتغل على بناء لغة فنية قادرة على تحويل الألم إلى رؤية جمالية وإنسانية معقّدة.
سينما عربية جديدة خارج المركز
تكشف المشاركة العربية في مهرجان كان السينمائي عن جيل سينمائي جديد يفضّل الاشتغال داخل المساحات الموازية الأكثر حرية وتجريبًا، بدل السعي المحموم إلى المسابقة الرسمية فقط. فهذه الأقسام باتت اليوم مختبرًا حقيقيًا لاكتشاف السينما العالمية الجديدة، ومنصة أساسية للأفلام التي تراهن على الاختلاف الفني والبحث الجمالي.
كما يعكس هذا الحضور الدور المتزايد لصناديق الدعم العربية وشبكات الإنتاج المشترك، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في تطوير المشاريع السينمائية العربية وإيصالها إلى أهم المهرجانات الدولية.
ورغم الغياب عن االسعفة الذهبيةب، فإنّ الأفلام العربية المشاركة هذا العام تبدو أكثر قدرة على التعبير عن تحولات الإنسان العربي المعاصر، عبر لغة سينمائية هادئة وعميقة، تنشغل بالذاكرة والمنفى والهشاشة والأسئلة الوجودية الكبرى، وتؤكد أنّ السينما العربية تواصل، بصمت وثبات، كتابة موقعها داخل الخريطة السينمائية العالمية.
«معبد الشعراء» في دورته السادسة: إحتفاءٌ بالذاكرة وتكريسٌ لطقس التكريم الشعري
تتجدّد المواعيد مع الشعر في فضاء مسرح السنديانة من 6 إلى 9 ماي 2…

