بمناسبة اليوم العالمي للمترولوجيا : تونس تستفيد من اعلم القياسب لرسم سياساتها العمومية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
هناك أشياء لا يراها المواطن في حياته اليومية، لكنه يعيش داخل نتائجها كل يوم ذلك هو عالم االمترولوجياب، أو علم القيس، الذي قد يبدو للوهلة الأولى موضوعاً تقنياً بارداً لا يعني إلا المختبرات والمهندسين، لكنه في الحقيقة واحد من أكثر العلوم التصاقاً بحياة الناس وبثقة المجتمع في الدولة والاقتصاد والسوق. حين تحيي تونس اليوم العالمي للمترولوجيا يوم 20 ماي من كل سنة، تحت شعار اتعزيز الثقة في رسم السياساتب، فهي لا تحتفل بعلم معزول عن الواقع، بل تحتفل بفكرة أساسية وهي أن الدولة الحديثة لا تُبنى بالتخمين، بل بالقياس الدقيق فالسياسات الاقتصادية، والقرارات الصحية، والمعايير الصناعية، وحماية المستهلك، وحتى سلامة الغذاء والدواء، تبدأ جميعها من سؤال بسيط.. هل نقيس الأشياء بطريقة صحيحة؟
في العالم القديم، كانت الأسواق تُدار بالحدس وبنفوذ الأقوياء أما في العالم الحديث، فإن الاقتصاد يقوم على الأرقام الدقيقة، والمعايير الموحدة، والقياسات التي لا تخضع للأهواء ومن هنا تصبح المترولوجيا لغة الثقة بين الدولة والمواطن، وبين المنتج والمستهلك، وبين تونس والأسواق العالمية.
قد يبدو الأمر نظرياً، لكنه في الحقيقة شديد البساطة حين يشتري المواطن لتراً من الوقود، فهو يريد لتراً حقيقياً، لا لتراً ناقصاً وحين يزن كيلوغراماً من السكر أو الغلال، فإنه يريد ميزاناً عادلاً لا يسرقه غراماً وراء غرام.
وحين تُصدّر تونس منتجاً غذائياً أو دوائياً إلى الخارج، فإن الدول المستوردة لا تكتفي بالكلام عن الجودة، بل تطلب مقاييس دقيقة ومعايير علمية صارمة وهنا تحديداً تبدأ أهمية المترولوجيا فالدول لا تدخل الأسواق العالمية بالشعارات، بل بالمطابقة الفنية والمعايير الدقيقة.
ولهذا فإن الوكالة الوطنية للمترولوجيا في تونس تؤدي دوراً يتجاوز المختبرات وأجهزة القياس إلى حماية صورة البلاد الاقتصادية نفسها.
فالمنتج التونسي حين يحصل على شهادات مطابقة دقيقة، يصبح أكثر قدرة على المنافسة والصناعة التونسية حين تعتمد أجهزة قياس معايرة وفق المعايير الدولية، تصبح أكثر موثوقية والمستثمر الأجنبي حين يجد بنية تحتية للجودة، يشعر بأن البلد الذي يستثمر فيه بلد منظم يحترم القواعد.
لهذا فإن الحديث عن اعلم القيسب ليس ترفاً علمياً، بل حديث عن الاقتصاد والسيادة والثقة و قد أدركت الدول الكبرى منذ زمن أن من يتحكم في القياس يتحكم في الصناعة والتجارة والتكنولوجيا ولهذا ارتبط تطور المترولوجيا تاريخياً بتطور الدول الصناعية الكبرى فكل شيء في العالم الحديث يبدأ من دقة القياس.
وفي تونس، حيث تسعى الدولة إلى تحديث الاقتصاد وتحسين الصادرات وتطوير الصناعة وجذب الاستثمار، تصبح المترولوجيا جزءاً أساسياً من مشروع الدولة نفسها.
إن تغطية المخابر التونسية لحوالي 80 بالمائة من الحاجيات الوطنية في هذا المجال ليست رقماً تقنياً فحسب، بل مؤشر على وجود بنية علمية تحاول أن تواكب التحولات الاقتصادية العالمية.
ثم إن لهذا العلم جانباً آخر أكثر قرباً من المواطن العادي: حماية القدرة الشرائية.
فالميزان المغشوش شكل من أشكال السرقة اليومية.
وعداد الوقود غير الدقيق اعتداء صامت على جيب المواطن.
والقياسات غير المطابقة في الصناعات الغذائية أو الصحية قد تتحول إلى خطر مباشر على الصحة العامة.
وفي زمن أصبحت فيه التجارة الدولية شديدة التعقيد، باتت الدول التي لا تملك منظومة قياس دقيقة تجد نفسها معزولة تدريجياً عن الأسواق الكبرى فالعالم لم يعد يشتري السلع فقط، بل يشتري الثقة المصاحبة لها وحين تتحدث تونس عن تطوير البنية التحتية للجودة، فإنها في الحقيقة تتحدث عن مستقبل اقتصادها في عالم لا يعترف إلا بالدقة والشفافية.
كما أن اختيار شعار اتعزيز الثقة في رسم السياساتب يحمل دلالة عميقة.
فالسياسات العامة الناجحة لا تُبنى على الانطباعات، بل على البيانات الدقيقة.
كيف يمكن مواجهة التلوث دون قياسه؟
وكيف يمكن معالجة تغير المناخ دون أرقام واضحة؟
وكيف يمكن وضع سياسات صحية ناجعة دون معطيات علمية دقيقة؟
وربما تكمن طرافة هذا اليوم العالمي في أن الناس نادراً ما ينتبهون إلى هذا العلم، رغم أنهم يعيشون داخله كل يوم.
فالعالم الحديث، في جوهره، عالم مقاس بدقة:
الوقت، والحرارة، والطاقة، والوزن، والمسافة، والدواء، والغذاء، وحتى جودة الهواء كل شيء أصبح خاضعاً للقياس، لأن الحضارة نفسها هي، في النهاية، انتصار للدقة على الفوضى ولهذا تحيي تونس اليوم العالمي للمترولوجيا، ليس فقط احتفاءً بعلم تقني، بل دفاعاً عن فكرة أعمق:أن الدولة التي تريد أن تتقدم، يجب أولاً أن تعرف كيف تقيس نفسها جيداً.
حين تعود الإستثمارات الأجنبية تونس تستعيد عافيتها الاقتصادية
الصحافة اليوم :عادل البرينصي في عالم الاقتصاد لا تتحرّك الاستثمارات الأج…

