2026-05-21

بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمترولوجيا‭ ‬ : تونس‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬اعلم‭ ‬القياسب‭ ‬لرسم‭ ‬سياساتها‭ ‬العمومية‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي

هناك‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية،‭ ‬لكنه‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬نتائجها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬االمترولوجياب،‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬القيس،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬موضوعاً‭ ‬تقنياً‭ ‬بارداً‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلا‭ ‬المختبرات‭ ‬والمهندسين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العلوم‭ ‬التصاقاً‭ ‬بحياة‭ ‬الناس‭ ‬وبثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والسوق‭. ‬حين‭ ‬تحيي‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمترولوجيا‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬ماي‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬اتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياساتب،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تحتفل‭ ‬بعلم‭ ‬معزول‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬تحتفل‭ ‬بفكرة‭ ‬أساسية‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالتخمين،‭ ‬بل‭ ‬بالقياس‭ ‬الدقيق‭ ‬فالسياسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والقرارات‭ ‬الصحية،‭ ‬والمعايير‭ ‬الصناعية،‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلك،‭ ‬وحتى‭ ‬سلامة‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء،‭ ‬تبدأ‭ ‬جميعها‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬بسيط‭.. ‬هل‭ ‬نقيس‭ ‬الأشياء‭ ‬بطريقة‭ ‬صحيحة؟

في‭ ‬العالم‭ ‬القديم،‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬تُدار‭ ‬بالحدس‭ ‬وبنفوذ‭ ‬الأقوياء‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الحديث،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الأرقام‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والمعايير‭ ‬الموحدة،‭ ‬والقياسات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للأهواء‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬المترولوجيا‭ ‬لغة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطن،‭ ‬وبين‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك،‭ ‬وبين‭ ‬تونس‭ ‬والأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬نظرياً،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬شديد‭ ‬البساطة‭ ‬حين‭ ‬يشتري‭ ‬المواطن‭ ‬لتراً‭ ‬من‭ ‬الوقود،‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬لتراً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬لا‭ ‬لتراً‭ ‬ناقصاً‭ ‬وحين‭ ‬يزن‭ ‬كيلوغراماً‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬أو‭ ‬الغلال،‭ ‬فإنه‭ ‬يريد‭ ‬ميزاناً‭ ‬عادلاً‭ ‬لا‭ ‬يسرقه‭ ‬غراماً‭ ‬وراء‭ ‬غرام‭.‬

وحين‭ ‬تُصدّر‭ ‬تونس‭ ‬منتجاً‭ ‬غذائياً‭ ‬أو‭ ‬دوائياً‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالكلام‭ ‬عن‭ ‬الجودة،‭ ‬بل‭ ‬تطلب‭ ‬مقاييس‭ ‬دقيقة‭ ‬ومعايير‭ ‬علمية‭ ‬صارمة‭ ‬وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تبدأ‭ ‬أهمية‭ ‬المترولوجيا‭ ‬فالدول‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬بالمطابقة‭ ‬الفنية‭ ‬والمعايير‭ ‬الدقيقة‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬للمترولوجيا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬المختبرات‭ ‬وأجهزة‭ ‬القياس‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬صورة‭ ‬البلاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نفسها‭.‬

فالمنتج‭ ‬التونسي‭ ‬حين‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬مطابقة‭ ‬دقيقة،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والصناعة‭ ‬التونسية‭ ‬حين‭ ‬تعتمد‭ ‬أجهزة‭ ‬قياس‭ ‬معايرة‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬موثوقية‭ ‬والمستثمر‭ ‬الأجنبي‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬للجودة،‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يستثمر‭ ‬فيه‭ ‬بلد‭ ‬منظم‭ ‬يحترم‭ ‬القواعد‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اعلم‭ ‬القيسب‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬علمياً،‭ ‬بل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسيادة‭ ‬والثقة‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬أدركت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬القياس‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬ولهذا‭ ‬ارتبط‭ ‬تطور‭ ‬المترولوجيا‭ ‬تاريخياً‭ ‬بتطور‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬دقة‭ ‬القياس‭.‬

وفي‭ ‬تونس،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتحسين‭ ‬الصادرات‭ ‬وتطوير‭ ‬الصناعة‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمار،‭ ‬تصبح‭ ‬المترولوجيا‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭.‬

إن‭ ‬تغطية‭ ‬المخابر‭ ‬التونسية‭ ‬لحوالي‭ ‬80‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الحاجيات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ليست‭ ‬رقماً‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬بنية‭ ‬علمية‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تواكب‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬لهذا‭ ‬العلم‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭: ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

فالميزان‭ ‬المغشوش‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬السرقة‭ ‬اليومية‭.‬

وعداد‭ ‬الوقود‭ ‬غير‭ ‬الدقيق‭ ‬اعتداء‭ ‬صامت‭ ‬على‭ ‬جيب‭ ‬المواطن‭.‬

والقياسات‭ ‬غير‭ ‬المطابقة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬أو‭ ‬الصحية‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬باتت‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬منظومة‭ ‬قياس‭ ‬دقيقة‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬معزولة‭ ‬تدريجياً‭ ‬عن‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى‭ ‬فالعالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يشتري‭ ‬السلع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشتري‭ ‬الثقة‭ ‬المصاحبة‭ ‬لها‭ ‬وحين‭ ‬تتحدث‭ ‬تونس‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للجودة،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬اقتصادها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالدقة‭ ‬والشفافية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬شعار‭ ‬اتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياساتب‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة‭.‬

فالسياسات‭ ‬العامة‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الانطباعات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬الدقيقة‭.‬

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬مواجهة‭ ‬التلوث‭ ‬دون‭ ‬قياسه؟

وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬معالجة‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬دون‭ ‬أرقام‭ ‬واضحة؟

وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬وضع‭ ‬سياسات‭ ‬صحية‭ ‬ناجعة‭ ‬دون‭ ‬معطيات‭ ‬علمية‭ ‬دقيقة؟

وربما‭ ‬تكمن‭ ‬طرافة‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬ينتبهون‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العلم،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬يعيشون‭ ‬داخله‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

فالعالم‭ ‬الحديث،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬عالم‭ ‬مقاس‭ ‬بدقة‭:‬

الوقت،‭ ‬والحرارة،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والوزن،‭ ‬والمسافة،‭ ‬والدواء،‭ ‬والغذاء،‭ ‬وحتى‭ ‬جودة‭ ‬الهواء‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أصبح‭ ‬خاضعاً‭ ‬للقياس،‭ ‬لأن‭ ‬الحضارة‭ ‬نفسها‭ ‬هي،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬انتصار‭ ‬للدقة‭ ‬على‭ ‬الفوضى‭ ‬ولهذا‭ ‬تحيي‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمترولوجيا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬احتفاءً‭ ‬بعلم‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬أعمق‭:‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تتقدم،‭ ‬يجب‭ ‬أولاً‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تقيس‭ ‬نفسها‭ ‬جيداً‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حين‭ ‬تعود‭ ‬الإستثمارات‭ ‬الأجنبية تونس‭ ‬تستعيد‭ ‬عافيتها‭ ‬الاقتصادية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬عادل‭ ‬البرينصي في‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬تتحرّك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأج…