2026-06-02

في‭ ‬وداع‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ “‬ادغار‭ ‬موران‭”:‬ قاوم‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الدوغمائية‭ ‬الفكرية‭ ‬والإيديولوجية،‭ ‬وبحث‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬للإنسان‭ ‬والعالم

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

تمثّل‭ ‬سيرة‭ ‬إدغار‭ ‬موران‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المسارات‭ ‬الفكرية‭ ‬فرادة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وبدايات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬فقد‭ ‬رحل‭ ‬صاحب‭ ‬زالفكر‭ ‬المركّبس‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬104‭ ‬أعوام،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظلّ‭ ‬حتى‭ ‬أيامه‭ ‬الأخيرة‭ ‬يكتب‭ ‬ويحاضر‭ ‬ويتدخّل‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الكبرى‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمصير‭ ‬الإنسانية‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬والسياسة‭ ‬والبيئة‭ ‬والحضارة‭. ‬وقد‭ ‬نعته‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬آخر‭ ‬كبار‭ ‬المثقفين‭ ‬الموسوعيين‭ ‬الذين‭ ‬جمعوا‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬والنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬فكري‭ ‬واحد‭. ‬

وُلد‭ ‬إدغار‭ ‬موران‭ ‬سنة‭ ‬1921‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬باسم‭ ‬إدغار‭ ‬ناحوم،‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬يهودية‭ ‬سفاردية‭ ‬تعود‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬سالونيك‭. ‬وقد‭ ‬تركت‭ ‬وفاة‭ ‬والدته‭ ‬المبكرة‭ ‬جرحاً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬تكوينه‭ ‬النفسي‭ ‬والفكري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيعود‭ ‬إليه‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬التأملية‭. ‬ومع‭ ‬صعود‭ ‬الفاشية‭ ‬والحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬المقاومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬النازي،‭ ‬وهناك‭ ‬اتخذ‭ ‬اسم‭ ‬زمورانس‭ ‬الذي‭ ‬سيلازمه‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭. ‬

بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الفرنسي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصطدم‭ ‬بالنزعة‭ ‬الستالينية‭ ‬داخله،‭ ‬ليُطرد‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬سنة‭ ‬1951‭ ‬بسبب‭ ‬مواقفه‭ ‬النقدية‭. ‬ومنذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬بدأ‭ ‬يتبلور‭ ‬لديه‭ ‬هاجس‭ ‬أساسي‭ ‬سيلازم‭ ‬مشروعه‭ ‬الفكري‭ ‬وهو‭ ‬مقاومة‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الدوغمائية‭ ‬الفكرية‭ ‬والإيديولوجية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬للإنسان‭ ‬والعالم‭.‬‭ ‬

من‭ ‬السوسيولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬زالفكر‭ ‬المركّب‭”‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬موران‭ ‬فيلسوفاً‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي،‭ ‬ولا‭ ‬عالم‭ ‬اجتماع‭ ‬بالمعنى‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الضيق‭. ‬فقد‭ ‬ظلّ‭ ‬طوال‭ ‬مسيرته‭ ‬رافضاً‭ ‬للتقسيمات‭ ‬الجامدة‭ ‬بين‭ ‬الاختصاصات‭. ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة،‭ ‬رغم‭ ‬تطورها‭ ‬الهائل،‭ ‬دفعت‭ ‬نحو‭ ‬تجزئة‭ ‬المعرفة‭ ‬وعزل‭ ‬الظواهر‭ ‬عن‭ ‬سياقاتها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الإنسان‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهرت‭ ‬نظريته‭ ‬الأشهر‭: ‬زالفكر‭ ‬المركّبس‭. ‬وهي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الظواهر‭ ‬بوصفها‭ ‬شبكات‭ ‬مترابطة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمها‭ ‬عبر‭ ‬سبب‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬مقاربة‭ ‬واحدة‭. ‬فالفرد‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬والمجتمع‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬والتاريخ‭ ‬مرتبط‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬والثقافة‭ ‬والبيئة،‭ ‬وكل‭ ‬عنصر‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة‭. ‬وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬تبسيط‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬أمراض‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬

‭”‬المنهجس‭… ‬المشروع‭ ‬الفكري‭ ‬الأكبر

يبقى‭ ‬عمله‭ ‬الضخم‭ ‬والذي‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭” ‬المنهج‭” ‬أهم‭ ‬منجزاته‭ ‬الفكرية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬استغرق‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬وصدر‭ ‬في‭ ‬ستة‭ ‬أجزاء‭ ‬بين‭ ‬1977‭ ‬و2004،‭ ‬سعى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نظرية‭ ‬جديدة‭ ‬للمعرفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬البيولوجيا‭ ‬والفيزياء‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والفلسفة‭. ‬وقد‭ ‬تحوّل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬التعقيد‭ ‬والأنظمة‭ ‬المعرفية‭ ‬الحديثة‭ ‬

كما‭ ‬عُرف‭ ‬موران‭ ‬بكتبه‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬لقي‭ ‬عددا‭ ‬منها‭ ‬رواجاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭: ‬مدخل‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬المركب،‭ ‬والإنسان‭ ‬والموت،‭ ‬والنموذج‭ ‬المفقود‭: ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونقد‭ ‬الذات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬كيف‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؟،‭ ‬وكتابات‭ ‬متأخرة‭ ‬تناولت‭ ‬العولمة‭ ‬والأزمة‭ ‬البيئية‭ ‬وجائحة‭ ‬كورونا‭ ‬ومستقبل‭ ‬البشرية‭.‬

وقد‭ ‬تُرجمت‭ ‬أعماله‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬نشر‭ ‬مختلفة،‭ ‬ووجدت‭ ‬صدى‭ ‬كبيراً‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭ ‬المهتمين‭ ‬بقضايا‭ ‬الحداثة‭ ‬والنقد‭ ‬المعرفي‭ ‬والتعليم‭ ‬والدراسات‭ ‬الحضارية

مفكر‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية

وفي‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تحوّل‭ ‬موران‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬زضميراً‭ ‬فكرياًس‭ ‬عالمياً‭. ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬البيئة،‭ ‬وعن‭ ‬مخاطر‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتوحشة،‭ ‬وعن‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وعن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬كوني‭ ‬جديد‭ ‬يتجاوز‭ ‬الانقسامات‭ ‬القومية‭ ‬والإيديولوجية‭ ‬الضيقة‭. ‬وكان‭ ‬يؤكد‭ ‬باستمرار‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬دخلت‭ ‬عصر‭ ‬زالأزمات‭ ‬المتداخلةس،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأزمة‭ ‬البيئية‭ ‬والأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬

كما‭ ‬دافع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬زالوطن‭ ‬الأرضس،‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬الإنسانية‭ ‬مجتمعاً‭ ‬مصيرياً‭ ‬واحداً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المشتركة،‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬إلى‭ ‬الحروب‭ ‬والأوبئة‭. ‬ولذلك‭ ‬بدا‭ ‬فكره‭ ‬شديد‭ ‬الراهنية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يزداد‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتشابكاً‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭. ‬

إرث‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬المستقبل

برحيل‭ ‬إدغار‭ ‬موران،‭ ‬تفقد‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬دعاة‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬العلوم‭ ‬والإنسانيات،‭ ‬وأحد‭ ‬آخر‭ ‬المفكرين‭ ‬الذين‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬والحسّ‭ ‬الإنساني‭. ‬

لقد‭ ‬ترك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬مؤلَّف،‭ ‬لكن‭ ‬إرثه‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬كتبها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬اقترح‭ ‬بها‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭: ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يُفهم‭ ‬عبر‭ ‬التبسيط‭ ‬والاختزال،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالتعقيد‭ ‬والتداخل‭ ‬والتناقض‭. ‬ولهذا‭ ‬سيظل‭ ‬اسم‭ ‬موران‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بفكرة‭ ‬مركزية‭ ‬واحدة‭: ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬الإنسان‭ ‬يقتضي‭ ‬فهم‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تربطه‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬الحكمة‭ ‬تبدأ‭ ‬حين‭ ‬نتعلم‭ ‬كيف‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬التعقيد‭ ‬بدل‭ ‬الهروب‭ ‬منه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تجربة‭ ‬مثيرة‭ ‬ودورة‭ ‬تأسيسية‭ ‬لمهرجان‭ ‬أقرّ‭ ‬تنظيمه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ملاحظات‭ ‬حول‭ ‬الدورة‭ ‬التأسيسية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لمهرجان‭”‬بالمسرح‭…‬أكون‭”:‬ في‭ ‬أهمية‭ ‬الأدوار‭ ‬العلاجية‭ ‬والاندماجية‭ ‬للمسرح

لمّا‭ ‬شاهدت‭ ‬أحد‭ ‬العروض‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تظاهرة‭”‬بالمسرح‭… ‬أكون‭ ”…