2026-06-05

صناعة‭ ‬مكونات‭ ‬الطائرات عندما‭ ‬تصنع‭ ‬تونس‭ ‬أجنحة‭ ‬المستقبل

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي

ليست‭ ‬كل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬سواء‭. ‬فهناك‭ ‬استثمارات‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬الرخيصة،‭ ‬وأخرى‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الأسواق،‭ ‬وثالثة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الامتيازات‭ ‬الجبائية‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تختار‭ ‬شركة‭ ‬عالمية‭ ‬بحجم‭ ‬اسفرانب‭ ‬الفرنسية‭ ‬أن‭ ‬توسع‭ ‬نشاطها‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وأن‭ ‬تبني‭ ‬إستراتيجيتها‭ ‬المستقبلية‭ ‬انطلاقاً‭ ‬منها،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬ليصبح‭ ‬شهادة‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬البلاد‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

فصناعة‭ ‬مكونات‭ ‬الطائرات‭ ‬ليست‭ ‬صناعة‭ ‬عادية‭. ‬إنها‭ ‬صناعة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الدقة‭ ‬المتناهية،‭ ‬وعلى‭ ‬المعايير‭ ‬الصارمة‭ ‬للجودة‭ ‬والسلامة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬عالي‭ ‬التأهيل‭. ‬وعندما‭ ‬تنتج‭ ‬المصانع‭ ‬التونسية‭ ‬مقاعد‭ ‬الطائرات‭ ‬وأنظمة‭ ‬التهوئة‭ ‬وكوابل‭ ‬الإضاءة‭ ‬ومكونات‭ ‬أخرى‭ ‬عالية‭ ‬الدقة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬مجرد‭ ‬قطع‭ ‬ميكانيكية،‭ ‬بل‭ ‬تصنع‭ ‬ثقة‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬المهندس‭ ‬والعامل‭ ‬والتقني‭ ‬التونسي‭.‬

إن‭ ‬وجود‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواقع‭ ‬إنتاج‭ ‬لشركة‭ ‬اسفران‭ ‬تونسب‭ ‬وتشغيلها‭ ‬لآلاف‭ ‬الكفاءات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مئات‭ ‬المهندسين‭ ‬والإطارات‭ ‬الفنية،‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬للتجميع‭ ‬الصناعي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تدريجياً‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬الصناعية‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭: ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الكلفة‭ ‬المنخفضة‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المهارة‭ ‬والخبرة‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

ولعل‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬تواجه‭ ‬فيها‭ ‬تونس‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬كبيرة‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يركز‭ ‬فيه‭ ‬الكثيرون‭ ‬على‭ ‬الصعوبات،‭ ‬تواصل‭ ‬قطاعات‭ ‬كاملة‭ ‬العمل‭ ‬بصمت،‭ ‬وتبني‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬للبلاد‭. ‬صورة‭ ‬تونس‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الجوية،‭ ‬وفي‭ ‬الصناعات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وفي‭ ‬البرمجيات‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وفي‭ ‬الصناعات‭ ‬الصيدلانية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بدورها‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬والقادرة‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬تونس‭ ‬ليس‭ ‬النفط‭ ‬ولا‭ ‬الغاز‭ ‬ولا‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬الإنسان‭. ‬فالمهندس‭ ‬التونسي‭ ‬والطبيب‭ ‬والباحث‭ ‬والمبرمج‭ ‬والتقني‭ ‬هم‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬مكنت‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬استقطاب‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬تبحث‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬الكفاءة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتخطيط‭  ‬سمير‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭. ‬فالدعم‭ ‬الذي‭ ‬تعلن‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬تقديمه‭ ‬لمشاريع‭ ‬التوسع‭ ‬والتطوير‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬فقط‭ ‬مساندة‭ ‬لشركة‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تونس‭ ‬نفسها‭. ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬مصنع‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران،‭ ‬وكل‭ ‬مشروع‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وكل‭ ‬مركز‭ ‬تطوير‭ ‬برمجيات‭ ‬أو‭ ‬صناعة‭ ‬دوائية،‭ ‬يضيف‭ ‬لبنة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭ ‬ومواطن‭ ‬الشغل‭ ‬ذات‭ ‬الجودة‭ ‬العالية‭.‬

إن‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يقيس‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬بعدد‭ ‬مصانعها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بنوعية‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬تلك‭ ‬المصانع‭. ‬وتونس‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الطيران،‭ ‬تملك‭ ‬كل‭ ‬المقومات‭ ‬لكي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬إقليمية‭ ‬للصناعات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتقدمة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تواصل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬خبر‭ ‬توسع‭ ‬اسفران‭ ‬تونسب‭ ‬ليس‭ ‬خبراً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬عادياً‭. ‬إنه‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬تونس،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الصعوبات،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحجز‭ ‬لنفسها‭ ‬مكاناً‭ ‬في‭ ‬صناعات‭ ‬المستقبل،‭ ‬وأن‭ ‬ترفع‭ ‬اسمها‭ ‬عالياً‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العالمية،‭ ‬ليس‭ ‬كشاهد‭ ‬على‭ ‬التقدم،‭ ‬بل‭ ‬كمساهم‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬صنعه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تونس‭ ‬تحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬التصنيع فرص‭ ‬واعدة‭ ‬للإنتعاشة‭ ‬الاقتصادية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي في‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬الأخبار‭ ‬الثقيلة،‭ ‬يصبح‭ ‬…