صناعة مكونات الطائرات عندما تصنع تونس أجنحة المستقبل
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
ليست كل الاستثمارات سواء. فهناك استثمارات تبحث عن اليد العاملة الرخيصة، وأخرى تبحث عن الأسواق، وثالثة تبحث عن الامتيازات الجبائية. لكن حين تختار شركة عالمية بحجم اسفرانب الفرنسية أن توسع نشاطها في تونس وأن تبني إستراتيجيتها المستقبلية انطلاقاً منها، فإن الأمر يتجاوز مجرد رقم في سجل الاستثمارات ليصبح شهادة دولية في كفاءة البلاد وقدرتها على الاندماج في الصناعات الأكثر تعقيداً في العالم.
فصناعة مكونات الطائرات ليست صناعة عادية. إنها صناعة تقوم على الدقة المتناهية، وعلى المعايير الصارمة للجودة والسلامة، وعلى رأس مال بشري عالي التأهيل. وعندما تنتج المصانع التونسية مقاعد الطائرات وأنظمة التهوئة وكوابل الإضاءة ومكونات أخرى عالية الدقة، فإنها لا تصنع مجرد قطع ميكانيكية، بل تصنع ثقة عالمية في المهندس والعامل والتقني التونسي.
إن وجود ثلاثة مواقع إنتاج لشركة اسفران تونسب وتشغيلها لآلاف الكفاءات، من بينها مئات المهندسين والإطارات الفنية، يكشف أن تونس لم تعد مجرد فضاء للتجميع الصناعي، بل أصبحت تدريجياً شريكاً في إنتاج المعرفة الصناعية والقيمة المضافة. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تخوضها الاقتصادات الحديثة: الانتقال من اقتصاد يعتمد على الكلفة المنخفضة إلى اقتصاد يعتمد على المهارة والخبرة والتكنولوجيا.
ولعل أهم ما في هذا النجاح أنه جاء في فترة تواجه فيها تونس تحديات اقتصادية ومالية كبيرة. ففي الوقت الذي يركز فيه الكثيرون على الصعوبات، تواصل قطاعات كاملة العمل بصمت، وتبني صورة أخرى للبلاد. صورة تونس القادرة على المنافسة في الصناعات الجوية، وفي الصناعات الإلكترونية، وفي البرمجيات والخدمات الرقمية، وفي الصناعات الصيدلانية التي أصبحت بدورها من القطاعات الواعدة والقادرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
لقد أثبتت التجربة أن رأس المال الأهم الذي تملكه تونس ليس النفط ولا الغاز ولا الثروات الطبيعية، بل الإنسان. فالمهندس التونسي والطبيب والباحث والمبرمج والتقني هم الثروة الحقيقية التي مكنت البلاد من استقطاب شركات عالمية تبحث قبل كل شيء عن الكفاءة والقدرة على الابتكار.
ومن هنا تكتسب تصريحات وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أهمية خاصة. فالدعم الذي تعلن الدولة عن تقديمه لمشاريع التوسع والتطوير لا يمثل فقط مساندة لشركة بعينها، بل هو استثمار في صورة تونس نفسها. لأن كل مصنع جديد في قطاع الطيران، وكل مشروع في التكنولوجيا المتقدمة، وكل مركز تطوير برمجيات أو صناعة دوائية، يضيف لبنة جديدة في بناء اقتصاد أكثر صلابة وأكثر قدرة على خلق الثروة ومواطن الشغل ذات الجودة العالية.
إن العالم اليوم لا يقيس قوة الدول بعدد مصانعها فقط، بل بنوعية ما تنتجه تلك المصانع. وتونس التي نجحت في أن تكون جزءاً من سلاسل القيمة العالمية في صناعة الطيران، تملك كل المقومات لكي تتحول إلى منصة إقليمية للصناعات التكنولوجية المتقدمة إذا ما تواصل الاستثمار في التكوين والبحث العلمي والبنية التحتية.
لهذا فإن خبر توسع اسفران تونسب ليس خبراً اقتصادياً عادياً. إنه رسالة مفادها أن تونس، رغم كل الصعوبات، ما تزال قادرة على أن تحجز لنفسها مكاناً في صناعات المستقبل، وأن ترفع اسمها عالياً في سماء التكنولوجيا العالمية، ليس كشاهد على التقدم، بل كمساهم فعلي في صنعه.
تونس تحتل المرتبة الرابعة إفريقيا في مؤشر التصنيع فرص واعدة للإنتعاشة الاقتصادية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي في زمن تتكاثر فيه الأخبار الثقيلة، يصبح …
