2026-06-13

رغم‭ ‬التحذيرات‭ ‬وقطع‭ ‬الإنترنات‭:‬ أرقام‭ ‬أوّلية‭ ‬تكشف‭ ‬اتّساع‭ ‬ظاهرة‭ ‬الغش‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

كشفت‭ ‬الأرقام‭ ‬الأولية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬عن‭ ‬تسجيل‭ ‬955‭ ‬حالة‭ ‬غش‭ ‬خلال‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لامتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يمثل‭ ‬تقريباً‭ ‬ضعف‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تسجيله‭ ‬خلال‭ ‬دورة‭ ‬السنة‭ ‬الماضية‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬فيها‭ ‬الحالات‭ ‬نحو‭ ‬580‭ ‬حالة‭.‬

ورغم‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اعتمادها‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬جزئي‭ ‬لخدمات‭ ‬الإنترنت‭ ‬والاتصالات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتشديد‭ ‬المراقبة‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬الامتحانات‭ ‬وخارجها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحملات‭ ‬التحسيسية‭ ‬والتحذيرات‭ ‬المتكررة‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬القانونية‭ ‬والإدارية،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأولية‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬معركة‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الغش‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الاحتمالات‭.‬

ولا‭ ‬تبدو‭ ‬المسألة‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـانزيف‭ ‬أخلاقي‭ ‬وتربويب‭ ‬يلامس‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الناشئة‭ ‬بمفاهيم‭ ‬الجهد‭ ‬والاستحقاق‭ ‬والنجاح‭.‬

الغش‭… ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬اجتماعية

لم‭ ‬يعد‭ ‬الغش‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬مجرد‭ ‬محاولة‭ ‬ظرفية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬سنة‭ ‬دراسية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط‭ ‬انعكاساً‭ ‬لانتشار‭ ‬ثقافة‭ ‬الربح‭ ‬السريع‭ ‬وتحقيق‭ ‬النتائج‭ ‬بأقل‭ ‬جهد‭ ‬ممكن‭. ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬التربوي،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬حيث‭ ‬تغدو‭ ‬الحيلة‭ ‬أحياناً‭ ‬أكثر‭ ‬إغراء‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والمثابرة‭.‬

ويحذّر‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬التعليمي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬تلميذ‭ ‬في‭ ‬اجتياز‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الغش‭ ‬والتحيل‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬الامتحان‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬مستقبلاً‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬وسوق‭ ‬الشغل‭. ‬فطالب‭ ‬الجامعة‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مدرجات‭ ‬الدراسة‭ ‬بقدرات‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬مستواه‭ ‬الحقيقي‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬مواصلة‭ ‬المسار‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بالكفاءة‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬حلقات‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬والتراجع‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬تطرح‭ ‬إشكالاً‭ ‬آخر‭ ‬يتعلق‭ ‬بمبدإ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬إذ‭ ‬يشعر‭ ‬التلميذ‭ ‬المجتهد‭ ‬بأن‭ ‬جهده‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬بلا‭ ‬قيمة‭ ‬عندما‭ ‬ينجح‭ ‬آخرون‭ ‬بالتحيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اهتزاز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية‭ ‬باعتبارها‭ ‬آلية‭ ‬للفرز‭ ‬العادل‭ ‬بين‭ ‬المترشحين‭.‬

التكنولوجيا‭… ‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدّين

خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تطورت‭ ‬وسائل‭ ‬الغش‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬إلكترونية‭ ‬دقيقة‭ ‬وشبكات‭ ‬منظمة‭ ‬تعرف‭ ‬شعبياً‭ ‬بـاالكيتب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬إجراءات‭ ‬استثنائية‭ ‬مثل‭ ‬تعطيل‭ ‬بعض‭ ‬خدمات‭ ‬الإنترنت‭ ‬والاتصالات‭ ‬الرقمية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الاختبارات‭.‬

ورغم‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬بسبب‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الإدارية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬تعتبرها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬حماية‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصداقيتها‭.‬

لكن‭ ‬الارتفاع‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬حالات‭ ‬الغش‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬مشروعاً‭: ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬الحل‭ ‬الاداري‭ ‬والتقني‭ ‬وحده‭ ‬لمواجهة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬المعالجة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬والأسرة‭ ‬والإعلام‭ ‬ومختلف‭ ‬مؤسسات‭ ‬التنشئة‭ ‬الاجتماعية؟

نجاح‭ ‬تنظيمي‭… ‬وأسئلة‭ ‬أخلاقية

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬اعتبرت‭ ‬فيه‭ ‬عديد‭ ‬المندوبيات‭ ‬الجهوية‭ ‬للتربية‭ ‬أن‭ ‬الدورة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للباكالوريا‭ ‬حققت‭ ‬نجاحاً‭ ‬تنظيمياً،استنادا‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬سير‭ ‬الامتحانات‭ ‬والانضباط‭ ‬اللوجستي‭ ‬وغياب‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الكبرى‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬الاختبار‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الجانب‭ ‬التنظيمي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬عناصر‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬امتحان‭ ‬وطني،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تضاعف‭ ‬حالات‭ ‬الغش‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬النجاح‭ ‬الإداري‭ ‬والنجاح‭ ‬التربوي‭. ‬فإدارة‭ ‬الامتحان‭ ‬بكفاءة‭ ‬شيء،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬النزاهة‭ ‬والاستحقاق‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬القاعات‭ ‬قد‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬هدوئها،‭ ‬فإن‭ ‬الأرقام‭ ‬الأولية‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬معركة‭ ‬القيم‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بعد،‭ ‬وأن‭ ‬المجتمع‭ ‬مطالب‭ ‬بقراءة‭ ‬الظاهرة‭ ‬خارج‭ ‬منطق‭ ‬العقوبات‭ ‬فقط،‭ ‬باعتبارها‭ ‬قضية‭ ‬تربوية‭ ‬وثقافية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

تبدو‭ ‬باكالوريا‭ ‬2026‭ ‬مناسبة‭ ‬جديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬متجدد‭ ‬كل‭ ‬سنة‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬مدرسة‭ ‬تنتج‭ ‬المعرفة‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬النفس،‭ ‬لا‭ ‬مدرسة‭ ‬يخشى‭ ‬فيها‭ ‬البعض‭ ‬الامتحان‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أقصر‭ ‬الطرق‭ ‬للنجاح؟

فالرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تقليص‭ ‬عدد‭ ‬حالات‭ ‬الغش‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬قادمة،‭ ‬وإنما‭ ‬حماية‭ ‬قيمة‭ ‬الشهادة‭ ‬الوطنية‭ ‬نفسها،‭ ‬حتى‭ ‬تبقى‭ ‬عنواناً‭ ‬للكفاءة‭ ‬والاجتهاد،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬بالحيلة‭ ‬والتّحيل‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

المونديال يغيّر عقارب الساعة في تونس: الفرجة تتواصل للصباح..وحركية اقتصادية استثنائية بالمقاهي

صحافة اليوم: مصباح الجدي لم تعد متابعة مباريات كأس العالم في نسختها الحالية مجرّد هواية ري…