2026-06-14

على هامش تصريح الفائزة بنوبل للآداب البولندية “أولغا توكارتشوك” باستعانتها بالذكاء الاصطناعي: كيف نستخدم الخوارزميات دون أن نفقد ما يجعلنا بشرًا ومبدعين في الآن نفسه؟

الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
لم يكن تصريح الروائية البولندية “أولغا توكارتشوك”، الحائزة على جائزة نوبل للآداب، مجرد خبر ثقافي عابر. فحين تعلن واحدة من أبرز روائيات عصرنا أنها تستعين أحيانًا بالذكاء الاصطناعي في بعض مراحل عملها الإبداعي، فإن الأمر يتجاوز حدود الفضول الإعلامي ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الكتابة نفسها.
فقد اعتاد الأدباء، منذ قرون، أن ينظروا إلى الكتابة باعتبارها أكثر الفنون التصاقًا بالفردانية الإنسانية؛ ذلك الفضاء الحميم الذي تتقاطع فيه الذاكرة والخيال والتجربة الشخصية. لكن ظهور الذكاء الاصطناعي قلب كثيرًا من المسلمات، وفتح الباب أمام شريك جديد يجلس إلى مكتب الكاتب، لا يحمل قلمًا ولا يعيش حياة، لكنه قادر على اقتراح الأفكار وترتيب المعارف واستحضار ملايين النصوص في لحظات معدودة
ما الذي قالته توكارتشوك؟
لم تقل صاحبة نوبل إن الذكاء الاصطناعي يكتب رواياتها، كما توهم البعض. بل أوضحت أنها تستخدمه أحيانًا بوصفه أداة للبحث وتوسيع أفق التفكير واستكشاف بعض الاحتمالات السردية. ومع ذلك، كان التصريح كافيًا لإثارة موجة من الجدل، لأن مصدره هذه المرة ليس خبيرًا تقنيًا أو رجل أعمال من وادي السيليكون، بل كاتبة كرّست أعمالها للدفاع عن المخيلة الإنسانية وتعقيداتها.
ولعل المفارقة تكمن هنا بالذات: فالأدب الذي طالما خشي هيمنة الآلة يجد نفسه اليوم مضطرًا إلى الحوار معها.
من خصم متخيَّل إلى مساعد محتمل
ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها التطور التقني مخاوف المثقفين. فقد أثارت الآلة الكاتبة قلقًا مشابهًا في زمنها، ثم جاء الحاسوب ليغير جذريًا طريق الكتابة والتحرير والتوثيق. ومع ذلك لم يختف الأدب، بل واصل تجديد نفسه مستفيدًا من الأدوات الجديدة.
واليوم يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانيات تكاد تبدو سحرية. فهو قادر على تلخيص المراجع، وتنظيم المادة البحثية، واقتراح الصيغ والعناوين، والمساعدة على تتبع الخيوط السردية المعقدة. وبالنسبة إلى الصحفي أو الباحث أو الروائي، قد يعني ذلك ساعات طويلة من العمل المختصرة في دقائق قليلة
لكن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تكمن في ما تكتبه، بل في الوقت الذي تمنحه للمبدع كي يفكر أكثر ويكتب أفضل
ما لا تعرفه الخوارزميات
ورغم كل ما تحقق من تطور، تبقى هناك منطقة عصية عن الآلات. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ملايين الجمل، لكنه لا يعرف معنى الفقدان. يستطيع أن يصف الحب، لكنه لم يقع فيه يومًا. ويمكنه أن يروي الحروب، لكنه لم يسمع دوي الرصاص ولم يختبر الخوف أو المنفى أو الحنين.
لهذا السبب تبدو النصوص التي تنتجها الخوارزميات، مهما بلغت درجة إتقانها، أقرب إلى صدى للنصوص السابقة منها إلى تجربة جديدة. أما الأدب الحقيقي، فليس مجرد تركيب بارع للكلمات، بل هو ذلك الأثر الإنساني الذي يولد من الاحتكاك المباشر بالحياة.
إن الروايات الكبرى لا تكتبها الذاكرة الرقمية، بل تكتبها الذاكرة البشرية بما تختزنه من جراح وأحلام وأسئلة.
الوجه الآخر للمعجزة
غير أن ما يثير الإعجاب في هذه الأدوات يثير القلق أيضًا. فكما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مساعدًا ثمينًا للمبدعين، يمكن أن يتحول إلى ملاذ سهل لأولئك الذين يبحثون دائمًا عن الطرق المختصرة.
ففي عالم تتزايد فيه الضغوط من أجل الإنتاج السريع، قد يغري الذكاء الاصطناعي البعض بإخفاء ضعفهم المعرفي أو الادعاء بامتلاك مهارات لا يملكونها أصلًا. وهنا لا تكمن الخطورة في التقنية نفسها، بل في الاستعمال الذي يُراد لها.
ذلك أن الخوارزمية لا تنتج التحيل، لكنها قد توفر له وسائل أكثر تطورًا وفاعلية.
بين الخيال والآلة
تكشف واقعة أولغا توكارتشوك أن السؤال المطروح اليوم لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل كيف نستخدمه دون أن نفقد ما يجعلنا بشرًا ومبدعين في الآن نفسه؟
لقد دخل الأدب، شأنه شأن بقية الفنون، عصرًا جديدًا تتجاور فيه المخيلة الإنسانية مع الخوارزميات الذكية. غير أن الكلمة الأخيرة لا تزال، على الأرجح، من نصيب الإنسان. فالآلة تستطيع أن تقترح الاحتمالات، أما المعنى فيظل من صنع من عاش التجربة وتأملها وحوّلها إلى حكاية
وربما لهذا السبب بالذات لم يُثر تصريح أولغا توكارتشوك الخوف بقدر ما أثار التأمل: فإذا كانت كاتبة نوبل تستعين بالخوارزمية، فإنها تفعل ذلك لا لكي تكتب بدلًا عنها، بل لكي تواصل البحث، بوسائل جديدة، عن ذلك الشيء القديم الذي اسمه الأدب.

‫شاهد أيضًا‬

‭”‬بيت‭ ‬الحكمة‭” ‬يختتم‭ ‬موسمه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بمحاضرة‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية وشريط‭ ‬وثائقي‭ ‬حول‭ ‬حصاد‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭  :‬كمال‭ ‬الشيحاوي يختتم‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭…