”التمثيل وسؤال الكتابة في التجربة المسرحية لجليلة بكار”: خصائص الكتابة المسرحية عند “جليلة بكّار”
الصحافة اليوم:كمال الشيحاوي
يأتي كتاب االتمثيل وسؤال الكتابة في التجربة المسرحية لجليلة بكارب للباحث عبد الفتاح الكامل والصادر عن دار الجنوب بتونس ليملأ فراغا نقديا طال انتظاره في المكتبة المسرحية التونسية والعربية. فالكتاب لا يكتفي بتتبع مسيرة واحدة من أبرز وجوه المسرح التونسي، بل يذهب أبعد من ذلك إلى مساءلة إحدى أكثر التجارب فرادة في تاريخ الكتابة المسرحية المعاصرة، تلك التي جعلت من العلاقة بين الممثل والكاتب، وبين الجسد والنص، وبين الارتجال والتأليف، مجالا لإنتاج شكل جديد من أشكال الإبداع المسرحي.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه ينصف جليلة بكار بوصفها مؤلفة مسرحية كاملة الأهلية، لا مجرد ممثلة كبيرة اقترنت تجربتها بأسماء ومجموعات مسرحية بارزة. فقد ظلت مساهمتها في الكتابة، لدى كثيرين، محجوبة خلف وهج أدائها الركحي أو خلف الطابع الجماعي للتجارب التي خاضتها ضمن امسرح الجنوب بقفصةب واالمسرح الجديدب ثم افاميليا للإنتاجب. لذلك يحرص الباحث على تفكيك هذه الصورة الجاهزة، وإبراز المسار الخاص لجليلة بكار داخل المشاريع الجماعية، مبيّنا أن لها صوتا إبداعيا مستقلا ورؤية فكرية وجمالية أسهمت بعمق في تشكيل ملامح المسرح التونسي الحديث.
من التمثيل إلى الكتابة
ويتميز الكتاب بجرأة أطروحته الأساسية التي تقوم على تتبع الكيفية التي وُلدت بها الكتابة من رحم التمثيل. فبالنسبة إلى جليلة بكار، لم تكن الكتابة فعلا منفصلا عن الركح، بل امتدادا عضويا لتجربة الممثلة التي راكمت خبرتها داخل التمارين والارتجالات والاشتغال الجماعي على العرض. ومن هنا تتشكل إحدى أهم أفكار الكتاب: الكاتبة جليلة بكار لم تأت إلى المسرح من بوابة الأدب، بل خرجت من قلب التجربة الركحية نفسها، حيث تحوّل الجسد الممثل إلى منتج للمعنى، ثم إلى منتج للنص.
ولا يقف المؤلف عند حدود التوثيق التاريخي أو السرد البيوغرافي، بل يعتمد منهجا وصفيا تحليليا مدعوما بالمقاربات السيميولوجية والبنيوية، ساعيا إلى الكشف عن الثابت والمتحول في تجربة جليلة بكار، سواء في أدائها التمثيلي أو في نصوصها المسرحية. كما يربط هذه التحولات بالسياقات الفكرية والسياسية والجمالية التي نشأت فيها، وهو ما يمنح الدراسة عمقا أكاديميا واضحا ويجنبها الوقوع في التمجيد أو الاحتفاء المجاني.
ومن أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يكشف خصوصية مشروع جليلة بكار في التأليف المسرحي؛ ذلك المشروع القائم على جدلية حية بين النص والعرض، وبين المكتوب والمرتجل، وبين المؤلف الفردي والتأليف الجماعي. فالكتابة عندها ليست نصا مغلقا يسبق العرض، بل عملية مستمرة تتغذى من مقترحات الممثلين ومن اختبارات الركح ومن احتكاك الفن بالواقع. لذلك تبدو نصوصها، من االبحث عن عائدةب إلى اجنونب وما تلاهما، شاهدة على مسار فريد في المسرح العربي، حيث تتجاور الكتابة الدرامية مع البحث الميداني، ويتحول المسرح إلى مختبر فكري وجمالي دائم.
جهد توثيقي كبير
أما على مستوى اللغة، فقد نجح عبد الفتاح الكامل في صياغة دراسة تجمع بين الصرامة الأكاديمية والوضوح التعبيري. فالكتاب مكتوب بلغة متماسكة، دقيقة المفاهيم، بعيدة عن التعقيد المجاني، وقادرة في الآن نفسه على استيعاب تشعبات تجربة تمتد على أكثر من خمسة عقود من العمل المسرحي. كما تكشف صفحاته عن جهد توثيقي كبير وإحاطة واسعة بالمراجع والشهادات والأعمال المسرحية التي شكّلت عالم جليلة بكار الفني.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في إضافته إلى الدراسات المسرحية التونسية، بل في كونه يعيد الاعتبار إلى جليلة بكار باعتبارها واحدة من أهم كاتبات المسرح العربي المعاصر، ويمنح تجربتها المكانة التي تستحقها في تاريخ المسرح. فهو كتاب يضيء منطقة ظلت في كثير من الأحيان معتمة داخل النقد المسرحي، ويقدم قراءة أصيلة ومتماسكة لمسيرة فنانة استطاعت أن تجعل من المسرح فضاء للمواطنة والسؤال والحرية والجمال، وأن تكتب نصوصها انطلاقا من نبض الحياة ومن حرارة الركح ذاته. ولذلك يمكن اعتبار هذا المؤلَّف مرجعا أساسيا لكل باحث أو ناقد أو مهتم يرغب في فهم أحد أكثر المشاريع المسرحية التونسية ثراء وتأثيرا في العقود الأخيرة.
الدورة الخامسة لمهرجان المسرح والمجتمع في سليانة تحتفي بالمسرح والفنون رهان على تغيير وجه المدينة بالفن
تتحوّل مدينة سليانة من 21 إلى 28 جوان 2026، إلى فضاء مفتوح للإبداع…
