2026-06-23

‭”‬التمثيل‭ ‬وسؤال‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬المسرحية‭ ‬لجليلة‭ ‬بكار‭”:‬ خصائص‭ ‬الكتابة‭ ‬المسرحية‭ ‬عند‭ “‬جليلة‭ ‬بكّار‭”‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كمال‭ ‬الشيحاوي

يأتي‭ ‬كتاب‭ ‬االتمثيل‭ ‬وسؤال‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬المسرحية‭ ‬لجليلة‭ ‬بكارب‭ ‬للباحث‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬الكامل‭ ‬والصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الجنوب‭ ‬بتونس‭ ‬ليملأ‭ ‬فراغا‭ ‬نقديا‭ ‬طال‭ ‬انتظاره‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬والعربية‭. ‬فالكتاب‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتتبع‭ ‬مسيرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬وجوه‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي،‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬التجارب‭ ‬فرادة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الكتابة‭ ‬المسرحية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬والكاتب،‭ ‬وبين‭ ‬الجسد‭ ‬والنص،‭ ‬وبين‭ ‬الارتجال‭ ‬والتأليف،‭ ‬مجالا‭ ‬لإنتاج‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإبداع‭ ‬المسرحي‭. ‬

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬ينصف‭ ‬جليلة‭ ‬بكار‭ ‬بوصفها‭ ‬مؤلفة‭ ‬مسرحية‭ ‬كاملة‭ ‬الأهلية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ممثلة‭ ‬كبيرة‭ ‬اقترنت‭ ‬تجربتها‭ ‬بأسماء‭ ‬ومجموعات‭ ‬مسرحية‭ ‬بارزة‭. ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين،‭ ‬محجوبة‭ ‬خلف‭ ‬وهج‭ ‬أدائها‭ ‬الركحي‭ ‬أو‭ ‬خلف‭ ‬الطابع‭ ‬الجماعي‭ ‬للتجارب‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬ضمن‭ ‬امسرح‭ ‬الجنوب‭ ‬بقفصةب‭ ‬واالمسرح‭ ‬الجديدب‭ ‬ثم‭ ‬افاميليا‭ ‬للإنتاجب‭. ‬لذلك‭ ‬يحرص‭ ‬الباحث‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الجاهزة،‭ ‬وإبراز‭ ‬المسار‭ ‬الخاص‭ ‬لجليلة‭ ‬بكار‭ ‬داخل‭ ‬المشاريع‭ ‬الجماعية،‭ ‬مبيّنا‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬صوتا‭ ‬إبداعيا‭ ‬مستقلا‭ ‬ورؤية‭ ‬فكرية‭ ‬وجمالية‭ ‬أسهمت‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي‭ ‬الحديث‭. ‬

من‭ ‬التمثيل‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة

ويتميز‭ ‬الكتاب‭ ‬بجرأة‭ ‬أطروحته‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬وُلدت‭ ‬بها‭ ‬الكتابة‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬التمثيل‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جليلة‭ ‬بكار،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الكتابة‭ ‬فعلا‭ ‬منفصلا‭ ‬عن‭ ‬الركح،‭ ‬بل‭ ‬امتدادا‭ ‬عضويا‭ ‬لتجربة‭ ‬الممثلة‭ ‬التي‭ ‬راكمت‭ ‬خبرتها‭ ‬داخل‭ ‬التمارين‭ ‬والارتجالات‭ ‬والاشتغال‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬العرض‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتشكل‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أفكار‭ ‬الكتاب‭: ‬الكاتبة‭ ‬جليلة‭ ‬بكار‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الأدب،‭ ‬بل‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬التجربة‭ ‬الركحية‭ ‬نفسها،‭ ‬حيث‭ ‬تحوّل‭ ‬الجسد‭ ‬الممثل‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬للمعنى،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬للنص‭. ‬

ولا‭ ‬يقف‭ ‬المؤلف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التوثيق‭ ‬التاريخي‭ ‬أو‭ ‬السرد‭ ‬البيوغرافي،‭ ‬بل‭ ‬يعتمد‭ ‬منهجا‭ ‬وصفيا‭ ‬تحليليا‭ ‬مدعوما‭ ‬بالمقاربات‭ ‬السيميولوجية‭ ‬والبنيوية،‭ ‬ساعيا‭ ‬إلى‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الثابت‭ ‬والمتحول‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬جليلة‭ ‬بكار،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أدائها‭ ‬التمثيلي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬المسرحية‭. ‬كما‭ ‬يربط‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬بالسياقات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والجمالية‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬فيها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الدراسة‭ ‬عمقا‭ ‬أكاديميا‭ ‬واضحا‭ ‬ويجنبها‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬التمجيد‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬المجاني‭. ‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬الكتاب‭ ‬أنه‭ ‬يكشف‭ ‬خصوصية‭ ‬مشروع‭ ‬جليلة‭ ‬بكار‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬المسرحي؛‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬جدلية‭ ‬حية‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والعرض،‭ ‬وبين‭ ‬المكتوب‭ ‬والمرتجل،‭ ‬وبين‭ ‬المؤلف‭ ‬الفردي‭ ‬والتأليف‭ ‬الجماعي‭. ‬فالكتابة‭ ‬عندها‭ ‬ليست‭ ‬نصا‭ ‬مغلقا‭ ‬يسبق‭ ‬العرض،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬تتغذى‭ ‬من‭ ‬مقترحات‭ ‬الممثلين‭ ‬ومن‭ ‬اختبارات‭ ‬الركح‭ ‬ومن‭ ‬احتكاك‭ ‬الفن‭ ‬بالواقع‭. ‬لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬نصوصها،‭ ‬من‭ ‬االبحث‭ ‬عن‭ ‬عائدةب‭ ‬إلى‭ ‬اجنونب‭ ‬وما‭ ‬تلاهما،‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬فريد‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬الكتابة‭ ‬الدرامية‭ ‬مع‭ ‬البحث‭ ‬الميداني،‭ ‬ويتحول‭ ‬المسرح‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬فكري‭ ‬وجمالي‭ ‬دائم‭. ‬

جهد‭ ‬توثيقي‭ ‬كبير

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬اللغة،‭ ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬دراسة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الصرامة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والوضوح‭ ‬التعبيري‭. ‬فالكتاب‭ ‬مكتوب‭ ‬بلغة‭ ‬متماسكة،‭ ‬دقيقة‭ ‬المفاهيم،‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬التعقيد‭ ‬المجاني،‭ ‬وقادرة‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تشعبات‭ ‬تجربة‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭. ‬كما‭ ‬تكشف‭ ‬صفحاته‭ ‬عن‭ ‬جهد‭ ‬توثيقي‭ ‬كبير‭ ‬وإحاطة‭ ‬واسعة‭ ‬بالمراجع‭ ‬والشهادات‭ ‬والأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬عالم‭ ‬جليلة‭ ‬بكار‭ ‬الفني‭. ‬

إن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إضافته‭ ‬إلى‭ ‬الدراسات‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬جليلة‭ ‬بكار‭ ‬باعتبارها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬كاتبات‭ ‬المسرح‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬ويمنح‭ ‬تجربتها‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تستحقها‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المسرح‭. ‬فهو‭ ‬كتاب‭ ‬يضيء‭ ‬منطقة‭ ‬ظلت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬معتمة‭ ‬داخل‭ ‬النقد‭ ‬المسرحي،‭ ‬ويقدم‭ ‬قراءة‭ ‬أصيلة‭ ‬ومتماسكة‭ ‬لمسيرة‭ ‬فنانة‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬المسرح‭ ‬فضاء‭ ‬للمواطنة‭ ‬والسؤال‭ ‬والحرية‭ ‬والجمال،‭ ‬وأن‭ ‬تكتب‭ ‬نصوصها‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬الحياة‭ ‬ومن‭ ‬حرارة‭ ‬الركح‭ ‬ذاته‭. ‬ولذلك‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬هذا‭ ‬المؤلَّف‭ ‬مرجعا‭ ‬أساسيا‭ ‬لكل‭ ‬باحث‭ ‬أو‭ ‬ناقد‭ ‬أو‭ ‬مهتم‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المشاريع‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬ثراء‭ ‬وتأثيرا‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬لمهرجان‭ ‬المسرح‭ ‬والمجتمع‭  ‬في‭ ‬سليانة‭ ‬تحتفي‭ ‬بالمسرح‭ ‬والفنون رهان‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬وجه‭ ‬المدينة‭ ‬بالفن

تتحوّل‭ ‬مدينة‭ ‬سليانة‭ ‬من‭ ‬21‭ ‬إلى‭ ‬28‭ ‬جوان‭ ‬2026،‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬للإبداع…