الاندماج المالي في تونس نحو الحد من المعاملات النقدية وتعزيز الدفع الالكتروني
الصحافة اليوم : مديحة معمري
تواجه تونس اليوم تحدياً اقتصادياً واجتماعياً يتمثل في محدودية الاندماج المالي واستمرار اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على المعاملات النقدية االكاشب في حياتهم اليومية وهو ما يبقي جزءاً مهماً من الأنشطة الاقتصادية خارج المنظومة المالية الرسمية للدولة. وتكتسي هذه الظاهرة أهمية خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لحجم الأوراق النقدية المتداولة خارج البنوك والذي بلغ مستوى قياسياً تجاوز 27,5 مليار دينار خلال سنة 2026 بزيادة تناهز 20 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة وفق معطيات البنك المركزي التونسي في مؤشر يعكس استمرار هيمنة التعامل النقدي على حساب وسائل الدفع الحديثة والخدمات البنكية. وتجمع آراء المتابعين للشأن المالي على أن العزوف عن الخدمات البنكية يعود إلى أسباب هيكلية ونفسية متعددة أبرزها الكلفة المرتفعة لبعض الخدمات والاقتطاعات البنكية الدورية التي يعتبرها كثير من الأجراء واصحاب الأنشطة الصغرى عبئاً إضافياً على مداخيلهم إلى جانب التعقيدات الإدارية وطول الإجراءات في بعض الأحيان. ويضاف إلى ذلك الوزن الكبير للاقتصاد غير المنظم الذي يشمل التجارة الموازية وبعض الأنشطة الفلاحية والمهن الحرة الصغرى حيث تسود ثقافة الدفع بالحاضر باعتباره الوسيلة الأسرع والأكثر مرونة لإنجاز المعاملات اليومية. كما لا يزال عامل الثقة يمثل أحد التحديات الرئيسية إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن نسبة امتلاك حسابات مالية أو مصرفية رسمية في تونس لا تتجاوز 37,7 بالمائة من السكان البالغين ما يعني أن نحو 62 بالمائة من التونسيين فوق سن الخامسة عشرة مازالوا خارج الخدمات المالية التقليدية أو لا يستعملونها بصفة منتظمة.
وأمام هذا الجدار النفسي أطلق المجلس البنكي والمالي ومرصد الاندماج المالي برعاية البنك المركزي التونسي حملة وطنية للتوعية المالية تحت شعار االفلوس… خلينا نحكيوا فيهاب. وتميزت هذه المبادرة بالنزول إلى الميدان ومخاطبة الشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغرى بلغة بسيطة ومباشرة بهدف تعزيز الثقافة المالية وتشجيع الادخار والتعريف بمزايا الخدمات البنكية والرقمية. وتراهن المؤسسات المالية على أن تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالبنوك يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الاندماج المالي وتقليص الاعتماد على النقد.
وفي إطار تذليل العقبات أمام الفئات التي لا تتعامل بصفة منتظمة مع البنوك يتجه الرهان الرسمي اليوم نحو دعم مؤسسات الدفع الإلكتروني وتطوير خدمات المحافظ الرقمية عبر الهواتف الجوالة. وشهد القطاع خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً إذ ارتفع عدد مؤسسات الدفع المرخص لها في تونس إلى 16 مؤسسة في إطار استراتيجية البنك المركزي الرامية إلى توسيع الشمول المالي وتسهيل النفاذ إلى الخدمات المالية خاصة في المناطق الداخلية والجهات ذات التغطية البنكية المحدودة. وتتيح هذه الحلول للمواطنين إجراء التحويلات المالية ودفع الفواتير وتسديد المشتريات واستقبال الأموال عبر إجراءات مبسطة مقارنة بالخدمات البنكية التقليدية مع احترام متطلبات التثبت من الهوية والضوابط القانونية المعمول بها. ويعوّل البنك المركزي التونسي على هذه التكنولوجيا المالية الحديثة لاستقطاب شرائح جديدة من المواطنين خاصة في المناطق الداخلية وفي صفوف أصحاب الأنشطة الصغرى والعاملين في الاقتصاد غير المنظم. ولا يتعلق ملف الاندماج المالي بالبنوك وحدها بل يمثل أحد رهانات الاقتصاد الوطني في الحد من الاقتصاد الموازي وتوسيع قاعدة الادخار وتعزيز تمويل الاستثمار وتطوير وسائل الدفع الإلكتروني.
فكل دينار يبقى خارج الجهاز المصرفي يعني موارد أقل لتمويل المؤسسات والاستثمار والقروض في وقت تحتـاج فيه البنـوك إلـى مزيد من الودائع لتمويل النشـاط الاقتصـادي ودعم النمو.
بتمويل يصل إلى 40 ألف دينار إطلاق مسابقة وطنية للمشاريع الخضراء والمبتكرة
الصحافة اليوم : معمري أعلنت وزارة البيئة بالشراكة مع سفارة الدنمارك في …
