2026-07-20

الاندماج‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬تونس نحو‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المعاملات‭ ‬النقدية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الدفع‭ ‬الالكتروني

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مديحة‭ ‬معمري

تواجه‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬تحدياً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬الاندماج‭ ‬المالي‭ ‬واستمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬النقدية‭ ‬االكاشب‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبقي‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬المالية‭ ‬الرسمية‭ ‬للدولة‭. ‬وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬المتواصل‭ ‬لحجم‭ ‬الأوراق‭ ‬النقدية‭ ‬المتداولة‭ ‬خارج‭ ‬البنوك‭ ‬والذي‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬قياسياً‭ ‬تجاوز‭ ‬27,5‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬بزيادة‭ ‬تناهز‭ ‬20‭ ‬بالمائة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬السابقة‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬التعامل‭ ‬النقدي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬الحديثة‭ ‬والخدمات‭ ‬البنكية‭. ‬وتجمع‭ ‬آراء‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬الخدمات‭ ‬البنكية‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬هيكلية‭ ‬ونفسية‭ ‬متعددة‭ ‬أبرزها‭ ‬الكلفة‭ ‬المرتفعة‭ ‬لبعض‭ ‬الخدمات‭ ‬والاقتطاعات‭ ‬البنكية‭ ‬الدورية‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬واصحاب‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصغرى‭ ‬عبئاً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬مداخيلهم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعقيدات‭ ‬الإدارية‭ ‬وطول‭ ‬الإجراءات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الوزن‭ ‬الكبير‭ ‬للاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬المنظم‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬التجارة‭ ‬الموازية‭ ‬وبعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬الفلاحية‭ ‬والمهن‭ ‬الحرة‭ ‬الصغرى‭ ‬حيث‭ ‬تسود‭ ‬ثقافة‭ ‬الدفع‭ ‬بالحاضر‭ ‬باعتباره‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأسرع‭ ‬والأكثر‭ ‬مرونة‭ ‬لإنجاز‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عامل‭ ‬الثقة‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬التحديات‭ ‬الرئيسية‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬امتلاك‭ ‬حسابات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬مصرفية‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬37,7‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬البالغين‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬62‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬فوق‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬مازالوا‭ ‬خارج‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يستعملونها‭ ‬بصفة‭ ‬منتظمة‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الجدار‭ ‬النفسي‭ ‬أطلق‭ ‬المجلس‭ ‬البنكي‭ ‬والمالي‭ ‬ومرصد‭ ‬الاندماج‭ ‬المالي‭ ‬برعاية‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬حملة‭ ‬وطنية‭ ‬للتوعية‭ ‬المالية‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬االفلوس‭… ‬خلينا‭ ‬نحكيوا‭ ‬فيهاب‭. ‬وتميزت‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬بالنزول‭ ‬إلى‭ ‬الميدان‭ ‬ومخاطبة‭ ‬الشباب‭ ‬والنساء‭ ‬وأصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغرى‭ ‬بلغة‭ ‬بسيطة‭ ‬ومباشرة‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬وتشجيع‭ ‬الادخار‭ ‬والتعريف‭ ‬بمزايا‭ ‬الخدمات‭ ‬البنكية‭ ‬والرقمية‭. ‬وتراهن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبنوك‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الاندماج‭ ‬المالي‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النقد‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬تذليل‭ ‬العقبات‭ ‬أمام‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬بصفة‭ ‬منتظمة‭ ‬مع‭ ‬البنوك‭ ‬يتجه‭ ‬الرهان‭ ‬الرسمي‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدفع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وتطوير‭ ‬خدمات‭ ‬المحافظ‭ ‬الرقمية‭ ‬عبر‭ ‬الهواتف‭ ‬الجوالة‭. ‬وشهد‭ ‬القطاع‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تطوراً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬إذ‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدفع‭ ‬المرخص‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬16‭ ‬مؤسسة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجية‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬الشمول‭ ‬المالي‭ ‬وتسهيل‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬والجهات‭ ‬ذات‭ ‬التغطية‭ ‬البنكية‭ ‬المحدودة‭. ‬وتتيح‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬للمواطنين‭ ‬إجراء‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬ودفع‭ ‬الفواتير‭ ‬وتسديد‭ ‬المشتريات‭ ‬واستقبال‭ ‬الأموال‭ ‬عبر‭ ‬إجراءات‭ ‬مبسطة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالخدمات‭ ‬البنكية‭ ‬التقليدية‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬متطلبات‭ ‬التثبت‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬والضوابط‭ ‬القانونية‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭. ‬ويعوّل‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭ ‬لاستقطاب‭ ‬شرائح‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬وفي‭ ‬صفوف‭ ‬أصحاب‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصغرى‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬المنظم‭. ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬ملف‭ ‬الاندماج‭ ‬المالي‭ ‬بالبنوك‭ ‬وحدها‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬رهانات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الادخار‭ ‬وتعزيز‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتطوير‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬الإلكتروني‭.‬

فكل‭ ‬دينار‭ ‬يبقى‭ ‬خارج‭ ‬الجهاز‭ ‬المصرفي‭ ‬يعني‭ ‬موارد‭ ‬أقل‭ ‬لتمويل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والاستثمار‭ ‬والقروض‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحتـاج‭ ‬فيه‭ ‬البنـوك‭ ‬إلـى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الودائع‭ ‬لتمويل‭ ‬النشـاط‭ ‬الاقتصـادي‭ ‬ودعم‭ ‬النمو‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بتمويل‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬دينار إطلاق‭ ‬مسابقة‭ ‬وطنية‭ ‬للمشاريع‭ ‬الخضراء‭ ‬والمبتكرة‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬معمري أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬البيئة‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬سفارة‭ ‬الدنمارك‭ ‬في‭ …