2026-08-04

موجة‭ ‬الحر‭ ‬ترفع‭ ‬كلفة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭: ‬ من‭ ‬فاتورة‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مديحة‭ ‬معمري‭ ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرد‭ ‬ظاهرة‭ ‬مناخية‭ ‬موسمية‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬عاملاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مؤثراً‭ ‬يفرض‭ ‬كلفة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسر‭ ‬والمالية‭ ‬العمومية‭. ‬فمع‭ ‬تسجيل‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬لامست‭ ‬49‭ ‬درجة‭ ‬مائوية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬وبلوغ‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬برزت‭ ‬مجدداً‭ ‬هشاشة‭ ‬المنظومتين‭ ‬الطاقية‭ ‬والمائية‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وتكشف‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬يواجه‭ ‬ضغطاً‭ ‬مزدوجاً‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬ارتفع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬لأجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أصبحت‭ ‬قدرات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬الكهربائي‭ ‬تعمل‭ ‬عند‭ ‬حدودها‭ ‬القصوى‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬القطع‭ ‬الدوري‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬وتفادي‭ ‬انهيارها‭. ‬وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ذروة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬تتركز‭ ‬بين‭ ‬الثانية‭ ‬والخامسة‭ ‬مساء‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تسجل‭ ‬أعلى‭ ‬الأحمال‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬الكهربائية‭. ‬ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬الكلفة‭ ‬عند‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فالانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬للكهرباء‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬نسق‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬وتعطل‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬وارتفاع‭ ‬نفقات‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬مولدات‭ ‬كهربائية‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬أما‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬97%‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التونسي‭ ‬فهي‭ ‬الأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الأعباء‭ ‬الإضافية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬وضعف‭ ‬هوامش‭ ‬الربحية‭.‬

وفي‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬تزيد‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬أزمة‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬فحصة‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬المتجددة‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬سنوياً‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يصنف‭ ‬تونس‭ ‬ضمن‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬شحاً‭ ‬مائياً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يستهلك‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬نحو‭ ‬80%‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬المتاحة‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬يؤدي‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬حاجيات‭ ‬الري‭ ‬وتراجع‭ ‬مردودية‭ ‬الزراعات‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬الإجهاد‭ ‬الحراري‭ ‬لدى‭ ‬الماشية‭ ‬والدواجن‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وأسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭. ‬فالسياحة‭ ‬تسهم‭ ‬بنحو‭ ‬14%‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬وتوفر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬موطن‭ ‬شغل‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬استهلاك‭ ‬الفنادق‭ ‬للكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬التزود‭ ‬بهذه‭ ‬الخدمات‭ ‬يرفع‭ ‬كلفة‭ ‬التشغيل‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬وفي‭ ‬تنافسية‭ ‬الوجهة‭ ‬التونسية‭. ‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬فإن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬تفرض‭ ‬نفقات‭ ‬إضافية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإنتاج‭ ‬الكهرباء‭ ‬وصيانة‭ ‬الشبكات‭ ‬ومكافحة‭ ‬الحرائق‭ ‬والتدخلات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعاني‭ ‬فيه‭ ‬الميزانية‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬كبيرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬لتلبية‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬تعمق‭ ‬عجز‭ ‬الميزان‭ ‬الطاقي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬تونس‭ ‬ليس‭ ‬أزمة‭ ‬ظرفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭. ‬فكل‭ ‬ساعة‭ ‬انقطاع‭ ‬للكهرباء‭ ‬تعني‭ ‬انخفاضاً‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وكل‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬التزود‭ ‬بالمياه‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الفلاحة‭ ‬والصناعة‭ ‬والسياحة‭ ‬بما‭ ‬يحوّل‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتشغيل‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬وتحديث‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬استهلاك‭ ‬الموارد‭ ‬خياراً‭ ‬بيئياً‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭. ‬فالكلفة‭ ‬التي‭ ‬تتحملها‭ ‬الدولة‭ ‬اليوم‭ ‬لمعالجة‭ ‬آثار‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الكلفة‭ ‬التي‭ ‬سيدفعها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مستقبلاً‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬تتكرر‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها‭ ‬دون‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

من‭ ‬أجل‭ ‬استثمارات‭ ‬فلاحية‭ ‬مستدامة‭:‬ برنامج‭ ‬اADAPT‭ ‬ب‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬التمويل‭ ‬ويعرض‭ ‬فرصه‭ ‬على‭ ‬المستثمرين

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مديحة‭ ‬معمري تحتضن‭ ‬وكالة‭ ‬النهوض‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬الفلاحية‭ (‬A…