صناعة مكونات السيارات في تونس: استثمار ألماني جديد.. وتوجه نحو الجنوب
الصحافة اليوم : خالصة حمروني
أعلنت مجموعة اغرامرب الألمانية، المتخصصة في صناعة مقاعد السيارات والأنظمة الداخلية، عن عزمها لإقامة مشروع صناعي جديد في ولاية قابس. ورغم أن المجموعة المعنية لم تكشف بعد عن قيمة الاستثمار، إلا أنها في المقابل أوضحت انها ستوفر نحو 1200 موطن شغل مباشر.
في حقيقة الأمر، هذا الاستثمار لم يأت من فراغ، بل يعكس ثقة متزايدة من الشركات الأوروبية في قطاع مكونات السيارات التونسي. فمجموعة اغرامرب التي تنشط في أكثر من 20 دولة وتعد موردا رئيسيا لعدد من أكبر مصنعي السيارات في العالم، اختارت الاستثمار في تونس بعد دراسة دقيقة لمدى كفاءاة اليد العاملة وجودة المنتجات واحترام آجال التسليم. وكل هذه العوامل جعلت من تونس وجهة مفضلة للاستثمار الامن في هذا القطاع.
وبلغة الأرقام، يتجسد نجاح تونس في استقطاب الشركات الناشطة في هذا القطاع بما حققه هذا الأخير من مؤشرات إيجابية خلال السنوات الأخيرة.
فحسب معطيات وزارة الصناعة، يساهم قطاع مكونات السيارات بنسبة 4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتتجاوز صادراته السنوية 3.5 مليار دولار، مما يجعله أحد أكبر القطاعات المصدرة في البلاد بعد الفسفاط والنسيج. ويضم القطاع حاليا حوالي 300 مؤسسة صناعية، توفر أكثر من 120 ألف موطن شغل مباشر، موزعة على مختلف الجهات مع تركيز في المدن الساحلية والشمال، لكن مشروع قابس الجديد قد يفتح أبواب جديدة للاستثمار في الجنوب التونسي أيضا.
وبفضل هذه الأرقام، تحتل تونس المرتبة الثانية إفريقيا في صناعة مكونات السيارات بعد المغرب. الأمر الذي مكنها من جذب استثمارات أجنبية مهمة من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان. وعادة ما تصدر هذه الشركات أغلب منتوجاتها إلى الأسواق الأوروبية، حيث تستورد ألمانيا وحدها حوالي 37 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية في هذا المجال.
ويعود نجاح تونس في استقطاب هذه الشركات الكبرى إلى مجموعة من العوامل، أولها الموقع الجغرافي القريب من أوروبا مما يقلل تكاليف النقل ويضمن سرعة التسليم. وثانيها توفر كفاءات بشرية شابة ومؤهلة حيث تخرج الجامعات آلاف المهندسين سنويا في اختصاصات الميكانيك والإلكترونيك والمعلوميات الصناعية إضافة إلى يد عاملة أخرى لها كفاءة عالية يشهد لها عالميا. أما العامل الثالث فيتمثل اساسا في وجود اتفاقيات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي تسهل نفاذ المنتجات دون رسوم جمركية كبيرة. إضافة إلى ذلك، وضعت الدولة حزمة حوافز للمستثمرين تشمل إعفاءات جبائية وإجراءات مبسطة للتصدير، وفي سنة 2022 تم إمضاء ميثاق تنافسية للقطاع هدفه إحداث 50 ألف موطن شغل جديد بحلول 2027، وهو هدف تم تجاوزه فعلا قبل الموعد المحدد.
ورغم نمو هذا القطاع وتحسن مردوديته، يواجه هذا الأخير بعض الصعوبات، أبرزها التحول التكنولوجي في عالم صناعة السيارات العالمية حيث أصبح التوجه أكثر نحو السيارات الكهربائية والذكية والمتصلة، مما يتطلب مكونات مختلفة عن التقليدية، حيث أصبحت البطاريات والبرمجيات والأنظمة الإلكترونية تشكل الجزء الأكبر من قيمة السيارة. وهذا من شأنه أن يجبر تونس على تحديث قدراتها الصناعية، الاستثمار في البحث العلمي وتكوين الكفاءات في المجالات الجديدة. وإذا لم تراعي تونس هذه التطورات وتواكبها، فإن المؤسسات التي تنتج اليوم قطعا ميكانيكية قد تجد نفسها خارج المنافسة خلال سنوات قليلة.
وبالعودة إلى مشروع اغرامرب في قابس، فقيمة هذا المشروع لا تقتصر فقط على توفير فرص عمل جديدة، بل قد يمثل فرصة لنقل خبرات تكنولوجية ألمانية عالية إلى تونس. الأمر الذي سيساهم في رفع جودة الإنتاج المحلي وتنويع المكونات المصنعة محليا. كما أن وجود مجموعة بهذا الحجم في قابس، بعيدا عن الشمال والوسط، سيشجع مؤسسات أخرى على الاستثمار في الجنوب والاستقرار هناك، مما يحقق تنمية جهوية متوازنة ويقلل الفجوات بين الشمال والجنوب.
ونظرا لصمعة تونس الممتازة في هذا القطاع، يمكن للجهات المعنية استغلال هذه الفرصة لمزيد تعزيز مكانة تونس كقطب صناعي في البحر المتوسط. وتحقيق هذا الهدف، يتطلب فقط مواكبة التحولات العالمية والاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والكفاءات البشرية. فالمزايا التنافسية التي تمتلكها اليوم، كالموقع الجغرافي والحوافز، ليست مضمونة بل تحتاج إلى استمرار العمل على تطويرها وتحديثها عبر تفعيل شراكة قوية بين القطاعين العام والخاص.
تونس خارج دائرة الرسوم الجمركية الأمريكية الإضافية: مكاسب تنافسية لبعض المنتجات الفلاحية وعلى رأسها زيت الزيتو
ن الصحافة اليوم : خالصة حمروني استثنت الرسوم الجمركية الأمريكية الإضافي…
