2026-07-20

في‭ ‬سهرة‭ ‬افتتاح‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬ صابر‭ ‬الرباعي‭  ‬يحاور‭  ‬الأجيال‭ ‬في‭  ‬اتحت‭ ‬الياســـــــــــــــــــــــــمينب

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬

لم‭ ‬يحتج‭ ‬الفنان‭  ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬وهو‭ ‬يفتتح‭ ‬الدورة‭ ‬60‭ ‬لمهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬الخميس‭ ‬16‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭  ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬مطول‭ ‬ليحدد‭ ‬ملامح‭ ‬السهرة‭ ‬فمنذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬لعرض‭ “‬تحت‭ ‬الياسمين‭” ‬كانت‭ ‬الفكرة‭ ‬واضحة‭.. ‬ليس‭ ‬الاحتفال‭ ‬بمهرجان‭ ‬بلغ‭ ‬عامه‭ ‬الستين‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬باعتبارها‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية‭ ‬تتجدد‭ ‬كلما‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬يحملها‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭.‬

وفي‭ ‬مناسبة‭ ‬تستحضر‭ ‬ستة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬اختار‭ ‬الرباعي‭ ‬أن‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الحفل‭ ‬الذي‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬نجمه‭ ‬و‭ ‬أغانيه‭ ‬فقط‭  ‬ليحول‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬تلتقي‭ ‬فيها‭ ‬الأصوات‭ ‬والتجارب‭ ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العرض‭ ‬مجرد‭ ‬استعراض‭ ‬لمحطات‭ ‬من‭ ‬مسيرته‭ ‬الفنية‭ ‬بل‭ ‬مشروعا‭ ‬موسيقيا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الحوار‭.. ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬أسسوا‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬الحديثة‭ ‬ومن‭ ‬يواصلون‭ ‬اليوم‭ ‬كتابة‭ ‬فصولها‭ ‬الجديدة‭.‬

وجاءت‭ ‬كلمة‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭  ‬في‭ ‬بداية‭ ‬السهرة‭ ‬لتمنح‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بعده‭ ‬الرمزي‭ ‬حين‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬الفن‭ ‬باعتباره‭ ‬رسالة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬جيل‭ ‬واحد‭  ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬وهجها،‭ ‬وهي‭ ‬فكرة‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬شعارا‭ ‬افتتاحيا‭ ‬بل‭ ‬حضرت‭ ‬في‭ ‬كل‭  ‬تفاصيل‭ ‬العرض‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختياراته‭ ‬الموسيقية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬ضيوفه‭ ‬الذين‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭.‬

ولم‭ ‬يسع‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬إلى‭ ‬إبهار‭ ‬الجمهور‭ ‬بوفرة‭ ‬المؤثرات‭ ‬البصرية‭ ‬أو‭ ‬الاستعراض‭ ‬الركحي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الموسيقى‭ ‬بطلة‭ ‬المشهد‭ ‬ليبدو‭ ‬الركح‭ ‬بقيادة‭ ‬المايسترو‭ ‬قيس‭ ‬المليتي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬ورشة‭ ‬موسيقية‭ ‬تستعيد‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬أوركسترالية‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬روحها‭ ‬الأصلية‭ ‬ومنحتها‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬نفسا‭ ‬احتفاليا‭ ‬يليق‭ ‬بسهرة‭ ‬الافتتاح‭ .‬

وتنقل‭ ‬البرنامج‭ ‬بين‭ ‬أشهر‭ ‬أغاني‭  ‬الرباعي‭ ‬وأغان‭ ‬طبعت‭ ‬الوجدان‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اللافت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬تنوع‭ “‬الريبرتوار‭” ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬انسجامه‭ ‬فقد‭ ‬حافظ‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬خيط‭ ‬موسيقي‭ ‬واحد‭ ‬جعل‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬الرومانسي‭ ‬والطربي‭ ‬وبين‭ ‬التونسي‭ ‬والمشرقي‭ ‬يتم‭ ‬بسلاسة‭ ‬فيما‭ ‬ظل‭ ‬الجمهور‭ ‬طرفا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع،‭ ‬مرددا‭ ‬الكلمات‭ ‬ومكملا‭ ‬الجمل‭ ‬الموسيقية،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفرقة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلق‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬المدارج‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬حضرت‭ ‬الذاكرة‭ ‬بكل‭ ‬ثقلها‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬استحضار‭ ‬الفنانة‭ ‬الراحلة‭ ‬ذكرى‭ ‬محمد‭ ‬مجرد‭ ‬التفاتة‭ ‬وفاء‭ ‬بل‭ ‬اعترافا‭ ‬بمكانة‭ ‬صوت‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عالقا‭ ‬في‭ ‬البال‭ ‬والقلوب،‭  ‬فعندما‭ ‬تعالت‭ ‬أغنيات‭ “‬الأسامي‭” ‬و‭”‬كل‭ ‬اللي‭ ‬لاموني‭” ‬و‭”‬يوم‭ ‬ليك‭” ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجمهور‭ ‬يستعيد‭ ‬أغنيات‭ ‬معروفة‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يستعيد‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬امتزج‭ ‬فيها‭ ‬الحنين‭ ‬بالاحتفاء‭.‬

وتواصل‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حضور‭ ‬الفنان‭ ‬لطفي‭ ‬بوشناق‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬وجوده‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬قرطاج‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تحمل‭ ‬الرقم‭ ‬ستين‭. ‬فالفنان‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بمحطات‭ ‬مضيئة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬المهرجان‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬بصفته‭ ‬ضيفا‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬صناع‭ ‬ذاكرته‭ ‬الفنية‭.. ‬وعندما‭ ‬التقى‭ ‬صوته‭ ‬بصوت‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اللقاء‭ ‬بين‭ ‬فنانين‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬تجربتين‭ ‬حافظتا‭ ‬كل‭ ‬بطريقتها‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬الأغنية‭ ‬التونسية‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬العربي‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬حرص‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يبقى‭ ‬أسير‭ ‬الماضي‭ ‬ليمنح‭ ‬مساحة‭ ‬واضحة‭ ‬لأصوات‭ ‬شابة‭ ‬مثل‭ ‬أحمد‭ ‬الرباعي‭ ‬و‭ ‬بثينة‭ ‬النبولي‭ ‬ومحمد‭ ‬علي‭ ‬شبيل‭ ‬وملكة‭ ‬الشارني‭  ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بتكراره‭ ‬وإنما‭ ‬بفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬يعيد‭ ‬قراءته‭ ‬بلغة‭ ‬عصره‭.. ‬وكان‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬تراجع‭ ‬فيه‭ ‬الرباعي‭ ‬وبوشناق‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭   ‬تاركين‭ ‬الواجهة‭ ‬للأصوات‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬لحظات‭ ‬السهرة‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭.‬

ولم‭ ‬تغب‭ ‬عن‭ ‬العرض‭ ‬أيضا‭ ‬فكرة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬المغاربي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حضور‭ ‬الشاب‭ ‬خالد‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬السهرة‭ ‬بعدا‭ ‬آخر‭ ‬حين‭ ‬التقت‭ ‬أنغام‭ ‬الراي‭ ‬الجزائري‭ ‬بالإيقاع‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬موسيقية‭ ‬أبرزت‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬ضفتي‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬موسيقي‭ ‬مشترك،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يفرقهما

وإذا‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬دورة‭ ‬افتتاحية‭ ‬عنوانها‭ ‬الفني‭ ‬فإن‭ ‬عنوان‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ “‬تحت‭ ‬الياسمين‭” ‬فقط‭  ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالاستمرارية‭.. ‬فقد‭ ‬قدم‭ ‬صابر‭ ‬الرباعي‭ ‬سهرة‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬الأغنية‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬بهرجة‭ ‬المشهد،‭ ‬وإلى‭ ‬قيمة‭ ‬المشاركة‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬البطولة‭ ‬الفردية‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬بدا‭ ‬افتتاح‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬وفيا‭ ‬لتاريخه‭.. ‬تاريخ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬اللقاء‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬وعلى‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬بالحنين‭ ‬وحده‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرته‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬التجدد‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬ذاكرته‭ ‬معه‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭ .‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان‭ ‬دقّة‭ ‬الدولي شيماء‭ ‬الهلالي‭ ‬تغني‭ ‬لذاكرة‭ ‬المكان ‭ ‬والشريط‭ ‬الوثائقي‭ ‬يغيب‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬الافتتاح

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬ على‭ ‬ركحٍ‭ ‬ظل‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬شاهدا‭ ‬ع…