2026-07-21

مهرجان قرطاج الدولي الـشـاب خـالـد يـعـيـد للأغـنـيـة ذاكـرتــها

الصحافة اليوم : ريـم قيدوز

لم يكن حضور الشاب خالد في الدورة 60 مجرد عودة لفنان غاب عن المسرح الأثري بقرطاج  قرابة عقد من الزمن فقد كانت سهرة السبت 18 جويلية عبارة عن  استعادة لمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية المغاربية ولصوت استطاع أن يجعل من الراي لغة موسيقية تجاوزت حدود الجغرافيا لتصل إلى جمهور عالمي وقد بدا اللقاء بين الشاب خالد وجمهور مهرجان قرطاج وكأنه موعد مؤجل استعاد فيه الطرفان ذاكرة صنعتها أغنيات رافقت أجيالا كاملة.

وقبل انطلاق سهرة الفنان الشاب خالد عاش الجمهور لفتة وفاء للفنان التونسي الراحل صالح الفرزيط  الذي غيبه الموت قبل ساعات من الحفل حيث عرضت إدارة المهرجان شريطا وثائقيا استعاد أبرز محطات مسيرته الفنية الممتدة على نحو خمسين عاما.

وما إن اعتلى الشاب خالد الركح حتى تحولت مدارج المسرح الأثري بقرطاج إلى فضاء للغناء الجماعي و لم يحتج الشاب خالد إلى كثير من الكلمات لخلق التواصل مع جمهوره إذ تكفلت الأغنيات بذلك، فمنذ المقاطع الأولى لـ”بختة”، مرورا بـ”وهران” و”ديدي” و”يا الشابة” و”الهربة وين” وصولا إلى “عايشة” كان الجمهور يسبق أحيانا صوت نجم هذه السهرة، مستعيدا كلمات وألحان احتفظت بمكانها في الذاكرة رغم مرور السنوات.

وربما تكمن خصوصية تجربة الشاب خالد في أنه لم يكتف بالحفاظ على موسيقى الراي في إطارها التقليدي بل أعاد تقديمها في قوالب موسيقية أكثر انفتاحا مستفيدا من إيقاعات الروك والريغي والجاز والموسيقى اللاتينية دون أن يقطع صلته بجذور هذا اللون الغنائي الذي نشأ في مدينة وهران ومنح هذا المزج موسيقى الراي مساحة جديدة للانتشار وجعل من الشاب خالد أحد أبرز الوجوه التي قدمت الموسيقى المغاربية إلى جمهور يتجاوز العالم العربي.

ولم يكن هذا المسار وليد الصدفة فمنذ بداياته في سن مبكرة، عمل الشاب خالد على تطوير أدواته الفنية، متنقلا بين الحفلات الشعبية والاستوديوهات قبل أن تتحول أغنيته “ديدي “إلى منعطف هام في مسيرته بعد أن لاقت انتشارا عالميا غير مسبوق لفنان عربي في تسعينيات القرن الماضي. ثم جاءت أعمال أخرى مثل “عايشة” و”C’est La Vie” لتؤكد قدرة الفنان على الجمع بين الهوية المحلية والإنتاج الموسيقي العالمي و في تجربة حافظت على روح موسيقى الراي  دون أن تنغلق على نفسها.

في مهرجان قرطاج الدولي لم تكن الأغاني وحدها محور السهرة بل أيضا الأداء الحي الذي منح الفرقة الموسيقية مساحة للتألق حيث جاءت التوزيعات غنية بالحوار بين الآلات لتبادل القيتارة والساكسوفون وآلات الإيقاع أدوارها في بناء مشهد موسيقي حافظ على روح الأغاني الأصلية مع لمسات معاصرة أضفت عليها حيوية جديدة. أما الشاب خالد فبدا مرتاحا فوق الركح يتنقل بخفة بين أفراد فرقته ويترك المجال أحيانا للجمهور ليكمل ما بدأه في علاقة اتسمت بالعفوية أكثر من الاستعراض. وبصوت لم يغير قدراته مرور السنوات.

ولم يغب البعد الرمزي عن الأمسية إذ توشح الشاب خالد بالعلمين التونسي والجزائري في مشهد استحضر الروابط الثقافية التي تجمع البلدين قبل أن يختتم السهرة بتحية إلى “المغرب العربي الكبير” مؤكدا كما فعل طوال مسيرته أن الموسيقى قادرة على بناء الجسور .

وجاءت عودة الشاب خالد إلى مهرجان قرطاج متزامنة مع احتفال المهرجان بمرور ستة عقود على تأسيسه لتمنح هذه الدورة في بداية تقديم برنامجها سهرة جماهيرية ناجحة و مناسبة أعادت التذكير بأن بعض الأصوات لا تقاس بعدد السنوات التي تمضي بل بقدرتها على البقاء حاضرة في وجدان جمهورها، لذلك لم يكن الحنين هو العنوان الوحيد للأمسية بل كان أيضا احتفاءً بموسيقى استطاعت أن تعبر الأزمنة وأن تحتفظ بوهجها كلما صدح لحنها من جديد.

‫شاهد أيضًا‬

بين المطالعة والمواطنة الرقمية مصيف الكتاب بالقيروان يفتح نوافذ جديدة على المعرفة

تتواصل فعاليات الدورة 33 من المهرجان الوطني لمصيف الكتاب بالمكتبة الجهوية ابن رشيق بالقيرو…