استنفار وحدات الحماية المدنية وأعوان الغابات والجيش والمتطوعين لإخماد النّيران عمل ملحمي بطولي يطوّق الحرائق
.. الصحافة اليوم : عواطف السويدي
مع توالي موجات الحرّ وارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام الأخيرة، شهدت تونس سلسلة من الحرائق الغابية التي طالت ولايات جندوبة وبنزرت وزغوان، مخلّفة خسائر هامة في الغطاء الغابي والممتلكات الفلاحية، في وقت يؤكد فيه نواب بمجلس نواب الشعب أن مجابهة هذه الكوارث لم تعد تقتصر على التدخل بعد اندلاع النيران، بل تستوجب رؤية استباقية تقوم على تحديث التشريعات، وتعزيز الإمكانيات اللوجستية، وتكثيف الوقاية.
فبين زغوان وجندوبة وبنزرت، امتدت ألسنة اللهب على مئات الهكتارات من الغابات، مهددة المنازل والممتلكات الفلاحية، بينما استنفرت وحدات الحماية المدنية وأعوان الغابات والجيش والمتطوعون لإخماد الحرائق ومنع امتدادها إلى المناطق السكنية. ورغم نجاح مختلف الوحدات في السيطرة على أغلب البؤر دون تسجيل خسائر بشرية، فإن حجم الأضرار البيئية والخسائر المادية أعاد إلى الواجهة ملف حماية الثروة الغابية وضرورة مراجعة السياسات الوقائية.
وتشير معطيات الإدارة العامة للغابات إلى تسجيل نحو خمسين حريقا غابويا منذ بداية الموسم في غرة ماي وإلى حدود 14 جويلية، أتت على قرابة 200 هكتار من الغطاء الغابي.
وكان حريق جبل الشحمة بولاية زغوان من أكبر الحرائق المسجلة خلال تلك الفترة، حيث استوجب مشاركة وحدات الحماية المدنية وأعوان الغابات وطائرات الجيش للسيطرة عليه.
غير أن الوضع ازداد تعقيدا ابتداء من منتصف شهر جويلية، بعد اندلاع حريق واسع بين معتمديتي فرنانة وبلطة بوعوان بولاية جندوبة، امتد إلى غابات وادي التوت والشاغر وسيدي حميدة، وأتى على أكثر من ثلاثين هكتارا من الغابات، كما تسبب في احتراق منازل وإتلاف مخزونات الأعلاف والحطب ونفوق عدد من رؤوس الماشية.
ولم تكد فرق الإطفاء تنهي عمليات التبريد حتى اندلعت بؤر جديدة بعين دراهم وفرنانة، حيث أتت النيران على غابات وأشجار مثمرة، وألحقت أضرارا بقنوات الري ومساكن المواطنين، وسط صعوبات كبيرة في وصول شاحنات الإطفاء بسبب غياب المسالك داخل الغابات.
أما الحريق الذي اندلع بين رفراف وسيدي علي المكي بمعتمدية غار الملح من ولاية بنزرت، فقد استمر أكثر من ست عشرة ساعة، وشارك في إخماده أعوان الحماية المدنية والجيش والأمن وأعوان الغابات ومتطوعون، مع إجلاء عدد من النساء والرضع احترازيا قبل إعادتهم إلى منازلهم بعد السيطرة على الحريق.
وباحتساب مختلف الحرائق المعلن عنها، تجاوزت المساحات الغابية المتضررة 238 هكتار على الأقل، في انتظار الحصيلة النهائية لبعض الحرائق التي لم تعلن السلطات عن مساحاتها بدقة.
وفي سياق متصل، أعلنت الحماية المدنية أنها تدخلت خلال الأربع والعشرين ساعة قبل الماضية في 1005 تدخلات، من بينها 350 تدخل لإطفاء الحرائق، إضافة إلى 186 عملية نجدة وإسعاف على الطرقات و448 تدخل للإسعاف في غير حوادث المرور، وهو ما يعكس حجم الضغط المسلط على مختلف الوحدات خلال موجة الحر الحالية.
وتجمع مختلف الآراء على أن التغيرات المناخية أصبحت عاملا رئيسيا في ارتفاع مخاطر الحرائق، خاصة مع تكرر موجات الحرارة الشديدة وهبوب رياح الشهيلي، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة جديدة لا تقتصر على التدخل بعد اندلاع النيران.
ويرى مختصون أن حماية الغابات تمر عبر الاستثمار في الوقاية، وتحديث وسائل الرصد المبكر، وتهيئة المسالك الغابية، وتعزيز الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني بما يضمن ردعا أكبر للمعتدين على الملك الغابي.
الوقاية تبدأ قبل اندلاع النيران
وتفيد النائب عن ولاية سليانة بسمة الهمامي أن الحرائق، سواء كانت بفعل الطبيعة أو نتيجة تدخل بشري، تكشف وجود خلل هيكلي في منظومة حماية الغابات. حيث أكدت في تصريح لـاالصحافة اليومب أن إخماد الحرائق وحده لا يكفي، معتبرة أن المطلوب هو العمل الاستباقي قبل اندلاعها، عبر مراجعة مجلة الغابات وإرساء منظومة متكاملة لحماية الثروة الغابية.
وأضافت أن اعتماد الوسائل التكنولوجية الحديثة، مثل الطائرات دون طيار للاستشعار المبكر، أصبح ضرورة، إلى جانب توفير مروحيات مخصصة لإطفاء الحرائق، خاصة في الولايات ذات الكثافة الغابية.
كما دعت إلى دعم أعوان الغابات والحماية المدنية بالمعدات واللباس والتجهيزات الضرورية، مؤكدة أن التجربة أثبتت أهمية العنصر البشري في مكافحة الحرائق.
واستحضرت الهمامي ما شهدته ولاية سليانة السنة الماضية، عندما أتت الحرائق على نحو 1200 هكتار، معتبرة أن غياب المسالك داخل الغابات وضعف الاعتمادات المالية المخصصة لحمايتها عقّدا عمليات التدخل.
ولفتت أيضا إلى النقص المسجل في عدد حراس الغابات، وإلى عدم تسوية وضعية عدد من عمال الحضائر الذين يملكون خبرة طويلة في حماية الغابات، معتبرة أن المنظومة الحالية تحتاج إلى إصلاح جذري.
كما أثارت مسألة الاعتداءات على الملك الغابي، مشيرة إلى وجود عمليات استيلاء على بعض الأراضي الغابية وتحويلها إلى ضيعات فلاحية، معتبرة أن العقوبات الحالية الواردة في مجلة الغابات لا تحقق الردع الكافي.
الإمكانيات المحدودة تؤخّر التدخل
من جانبه، اعتبر النائب رشدي الرويسي في حديثه لـاالصحافة اليومب، أن الحرائق الأخيرة تعود إلى تداخل عدة عوامل، من بينها الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة والرياح القوية، إلى جانب التوسع العمراني وبعض التدخلات البشرية.
وأوضح أن أعوان الحماية المدنية يقومون بمجهودات كبيرة رغم محدودية الإمكانيات، مؤكدا أن الدولة مطالبة بدعم التجهيزات وتعزيز انتشار مراكز الحماية المدنية في مختلف الجهات.
وأشار إلى أن سرعة التدخل تبقى رهينة توفر المعدات والقرب من مناطق الحرائق، خاصة في الغابات الوعرة. داعيا إلى اعتماد سياسة استباقية تشمل تركيز أبراج مراقبة، ودعم حراس الغابات، وتعزيز التنسيق بين وزارات الداخلية والفلاحة والدفاع والسلطات الجهوية.
ويرى الرويسي أن الإطار التشريعي الحالي يوفر الأساس القانوني، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف التفعيل ونقص الإمكانيات، وهو ما يستوجب إرادة سياسية وتعبئة للموارد، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الدول المجاورة عند الضرورة.
المطلوب وحدات حماية مدنية قارة
أما النائب يوسف طرشون، فقد أكد في تصريحات صحفية أن الحريق الأخير الذي اندلع بمنطقة رفراف وسيدي علي المكي ألحق أضرارا بنحو خمسة هكتارات من الغابات، معتبرا أن الحادثة تؤكد أهمية الاستعداد المسبق لمثل هذه الكوارث.
ودعا إلى تركيز وحدة حماية مدنية قارة بالجهة، بما يضمن سرعة التدخل عند اندلاع الحرائق، مع إعداد برامج وقائية واضحة للحد من المخاطر. مشيرا الى ان غياب هذه الإجراءات كان من بين أسباب تعقد عمليات الإطفاء، رغم نجاح مختلف الوحدات في تطويق الحريق والسيطرة عليه.
مراجعة القوانين لم تعد تحتمل التأجيل
من جهته، شدد رئيس لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري بمجلس نواب الشعب عمر بن عمر، على أن تونس تعيش وضعا استثنائيا يفرض تعبئة مختلف أجهزة الدولة.
وذكر في حديثه لـاالصحافة اليومب، أن مواجهة الحرائق لا تقتصر على تدخل الحماية المدنية، وإنما تتطلب عملا مشتركا بين وزارات الداخلية والدفاع والفلاحة والبلديات، إلى جانب تكثيف حملات التوعية بمخاطر إشعال النار داخل الغابات. موضحا أن أسباب الحرائق قد تكون طبيعية أو بشرية، لكن الوقاية تظل الحلقة الأساسية في منظومة الحماية.
كما حث على التسريع في مراجعة مجلة الغابات ومجلة المياه، معتبرا أن النصوص الحالية لم تعد تستجيب للتحولات البيئية والمناخية، وأن الحكومة مطالبة بالإسراع في استكمال ما وصفه بـاالثورة التشريعيةب المتعلقة بالمجلات الأساسية.
وأشار أيضا إلى أن التعاون مع الدول المجاورة يبقى خيارا ضروريا عندما تتجاوز الحرائق القدرات الوطنية، مستشهدا بالتنسيق الذي حصل مؤخرا بين تونس والجزائر في مجال مكافحة الحرائق.
تحويل الدّيون إلى استثمارات لإعادة بناء المرافق العمومية: خطوة أخرى لدفع الإستثمار و التنمية
.. الصحافة اليوم: عواطف السويدي عاد ملف تحويل الديون الخارجية إلى استثم…
