رئيس لجنة المالية بالبرلمان ماهر الكتاري لـاالصحافة اليومب: ميزانية 2027 يجب أن تموّل السياسة الاجتماعية عبر خلق الثروة
الصحافة اليوم : عواطف السويدي
تستعد الحكومة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 في ظرف اقتصادي ومالي دقيق، تتقاطع فيه الضغوط الداخلية مع تداعيات الأزمات الجيوسياسية والمناخية العالمية، بما يفرض خيارات دقيقة في توزيع الموارد وتحديد الأولويات. وتطرح التوجهات الكبرى المعلنة للمشروع معادلة أساسية تتمثل في المحافظة على التوازنات المالية للدولة، بالتوازي مع تعزيز الدور الاجتماعي للدولة ودعم الاستثمار ودفع النمو وخلق مواطن الشغل.
ويندرج مشروع قانون المالية لسنة 2027 ضمن المسار العام لمخطط التنمية 2030-2026، باعتبار أن السنة المقبلة تمثل محطة أساسية في تنفيذ برامجه ومشاريعه وتجسيد توجهاته الاقتصادية والاجتماعية. غير أن تقييم هذه التوجهات ما يزال، وفق رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب ماهر الكتاري، سابقاً لأوانه، في ظل غياب الأرقام والمعطيات التفصيلية التي تمكّن البرلمان من قراءة المشروع بشكل دقيق.
ويرى ماهر الكتاري في تصريحه لـاالصحافة اليومب، أن ما تم تقديمه إلى حد الآن من توجهات كبرى ما يزال في مستوى الخطوط العامة، باعتبار أن لجنة المالية لم تتوصل بعد إلى الأرقام والفرضيات الاقتصادية والمالية والتفاصيل المتعلقة بكل قطاع. ويعتبر أن الدخول الفعلي في مناقشة مشروع قانون المالية يتطلب أولاً معرفة الوضع الحقيقي للمالية العمومية ونتائج تنفيذ ميزانية سنة 2026، حتى يكون بالإمكان قياس ما تحقق وما تعطل وتحديد الأولويات الجديدة.
ويشدد في هذا السياق على ضرورة أن تحيل الحكومة، طبقاً لمقتضيات القانون الأساسي للميزانية، وثيقة حول تنفيذ ميزانية 2026 إلى غاية 30 جوان، بما يسمح للنواب بتقييم مستوى الإنجاز خلال النصف الأول من السنة، ومعرفة الفارق بين الأهداف المرسومة والنتائج الفعلية.
ومن أبرز الأولويات التي يرى رئيس لجنة المالية ضرورة إدراجها ضمن مشروع ميزانية 2027، إنقاذ القطاع الفلاحي ودعم منظومات الإنتاج، وخاصة منظومات اللحوم الحمراء والبيضاء والحليب، في ظل التراجع المسجل في حجم القطيع خلال السنوات الأخيرة.
ويعتبر الكتاري أن تحقيق الأمن الغذائي لم يعد خياراً ظرفياً، وإنما أصبح جزءاً من السيادة الوطنية، خاصة في ظل الأزمات العالمية واضطراب سلاسل التوريد. كما يربط ذلك بالأمن الطاقي، مشيراً إلى أن الإشكاليات التي عرفها إنتاج الكهرباء خلال صيف 2026 كشفت الحاجة إلى مزيد الاستثمار في قطاع الطاقة، وتنويع مصادر الإنتاج وتعزيز قدرة تونس على تأمين حاجياتها.
ميزانية اقتصادية لتمويل الدولة الاجتماعية
ويرى الكتاري أن ميزانية 2027 يجب أن تكون ااقتصادية بامتيازب، بحيث لا تقتصر على تمويل السياسة الاجتماعية، بل تعمل على خلق النمو والثروة الضروريين لتمويلها. ويعتبر أن مواصلة تمويل الدور الاجتماعي للدولة عبر الاقتراض ليست خياراً مستداماً، وأن البديل يكمن في خلق موارد جديدة من خلال الاستثمار والإنتاج وتحسين النجاعة الاقتصادية.
ويشير إلى أن قانون المالية لسنة 2026 حمل بدوره بعداً اجتماعياً مهماً، غير أن عدداً من الفصول الاجتماعية لم يدخل بعد حيز التنفيذ بسبب عدم صدور الأوامر الترتيبية الخاصة بها، وهو ما يطرح، حسب رأيه، مسألة متابعة تنفيذ النصوص وليس فقط المصادقة عليها.
وفي إطار البحث عن مصادر جديدة للنمو، تعمل لجنة المالية، وفق الكتاري، على تجميع مقترحات مختلف القطاعات الاقتصادية بهدف تحرير الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ورفع النجاعة الاقتصادية. ويطمح المجلس إلى المساهمة في تحقيق أهداف مخطط التنمية والوصول إلى نسب نمو في حدود 4 و5 بالمائة خلال السنوات المقبلة، في وقت قد لا تتجاوز فيه نسبة النمو خلال السنة الحالية 2 بالمائة.
ومن بين المقترحات المطروحة تحفيز الاستثمار والشركات المصدرة كلياً ودعم التصدير، إلى جانب تطوير قطاع النسيج والملابس، وإعادة إنعاش قطاع الجلود والأحذية الذي شهد تراجعاً ملحوظاً. كما تدرس اللجنة إمكانية تعزيز تصنيع السيارات في تونس، باعتباره قطاعاً قادراً على خلق قيمة مضافة مرتفعة واستقطاب استثمارات جديدة وخلق مواطن شغل.
ويعتقد الكتاري أن تحقيق هذه الأهداف الاقتصادية يتطلب أيضاً مراجعة عدد من النصوص القانونية التي لم تعد تواكب التحولات الاقتصادية، وفي مقدمتها مجلة الاستثمار ومجلة الصرف وقانون الهياكل الرياضية، إلى جانب وضع أطر قانونية جديدة لقطاعات يمكن أن تمثل محركات للنمو وخلق الثروة.
ويعتبر أن الإصلاح التشريعي يجب أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية متكاملة، لا مجرد تعديلات متفرقة، حتى تصبح القوانين أداة لتحفيز الاستثمار والإنتاج والتصدير وتحسين تنافسية المؤسسات التونسية.
الحاجة إلى معطيات دقيقة
في المقابل، ينتقد رئيس لجنة المالية غياب بعض التفاصيل والأرقام الدقيقة في المعطيات المقدمة من السلطة التنفيذية إلى حد الآن، مؤكداً أن اللجنة تحتاج إلى معرفة الفرضيات التي ستبنى عليها الميزانية، وخاصة ما يتعلق بالنمو والأسعار والطاقة والتمويل والموارد الجبائية وحجم النفقات.
كما طالب بتقييم تأثير التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية على التوازنات المالية لسنة 2026، متسائلاً عن مدى الحاجة إلى قانون مالية تكميلي إذا كشفت النتائج المسجلة خلال السنة عن اختلالات أو تطورات لم تكن مبرمجة.
ويشدد الكتاري في هذا الإطار على ضرورة تحسين التواصل والتنسيق بين الحكومة والبرلمان في مرحلة إعداد الميزانية، معتبراً أن النواب لا يمكنهم تقييم الخيارات المقترحة دون توفر معطيات دقيقة ومحيّنة.
ويظل الرهان الأساسي لميزانية 2027، وفق طرح رئيس لجنة المالية، هو الانتقال من معالجة الاختلالات المالية إلى بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة وتمويل الدولة الاجتماعية. فنجاح الميزانية لن يقاس فقط بمدى المحافظة على التوازنات المالية، وإنما أيضاً بقدرتها على دفع الاستثمار والإنتاج والتشغيل، وتحسين الخدمات، والأهم استعادة القدرة الشرائية للمواطن، التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة، بما يجعل تحسينها من سنة إلى أخرى أحد أبرز مؤشرات نجاح الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
5 ملايين و828 ألف سائح زاروا تونس حتّى موفى جويلية: مؤشرات إيجابية تعزز تعافي القطاع
الصحافة اليوم:عواطف السويدي يواصل القطاع السياحي تحقيق نتائج إيجابية خلا…
