2026-07-24

بين‭ ‬حر‭ ‬الصيف‭ ‬وانقطاع‭ ‬الكهرباء‭:‬ هل‭ ‬تنقذ‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬أزمتها‭ ‬الطاقية؟

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬خالصة‭ ‬حمروني‭:‬

تعيش‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬صيف‭ ‬2026‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬انقطاعات‭ ‬متكررة‭ ‬للتيار‭ ‬الكهربائي،‭ ‬تحولت‭ ‬معها‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬يوميات‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬بديلة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تشتد‭ ‬فيه‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬وتتجاوز‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬المعدلات‭ ‬الموسمية‭. ‬وبين‭ ‬معاناة‭ ‬المواطنين‭ ‬وتضرر‭ ‬المصالح‭ ‬التجارية،‭ ‬تطرح‭ ‬الأزمة‭ ‬سؤالاً‭ ‬مصيرياً‭: ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬الطاقي،‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬للطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المخرج‭ ‬الحقيقي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق؟‭ ‬تكشف‭ ‬معطيات‭ ‬المرصد‭ ‬الوطني‭ ‬للطاقة‭ ‬والمناجم‭ ‬حتى‭ ‬موفى‭ ‬ماي‭ ‬2026‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬مقلق،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬عجز‭ ‬الميزان‭ ‬الطاقي‭ ‬2.5‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬مكافئ‭ ‬نفط،‭ ‬بارتفاع‭ ‬12%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬2025‭. ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬العجز‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تراجعت‭ ‬نسبة‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الطاقية‭ ‬من‭ ‬39%‭ ‬إلى‭ ‬34%‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬تزايد‭ ‬هشاشة‭ ‬المنظومة‭. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬التدهور‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬الإنتاج‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬بنسبة‭ ‬9%،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬الأولية‭ ‬تعتمد‭ ‬بنسبة‭ ‬75%‭ ‬على‭ ‬هذين‭ ‬المصدرين‭ ‬التقليديين،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬حصة‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬4%‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬بطء‭ ‬وتيرة‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬رغم‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭.‬

اقتصاديا،‭ ‬تعد‭ ‬فاتورة‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬اباهظةب‭ ‬يدفع‭ ‬كلفتها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬خطيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تفاقم‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الطاقي‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬من‭ ‬2.7‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬سنة‭ ‬2016‭ ‬إلى‭ ‬11.1‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬موفى‭ ‬2025،‭ ‬ليمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬إجمالي‭ ‬عجز‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ (‬51.1%‭). ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دينارين‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬تونس‭ ‬التجاري‭ ‬يعود‭ ‬أولهما‭ ‬إلى‭ ‬فاتورة‭ ‬استيراد‭ ‬المحروقات‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الميزانية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬بحكم‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭ ‬وانخفاض‭ ‬معلوم‭ ‬عبور‭ ‬الغاز‭ ‬الجزائري‭ ‬بنسبة‭ ‬33%‭. ‬

ولأن‭ ‬تونس‭ ‬واعية‭ ‬بأن‭ ‬الوضع‭ ‬بات‭ ‬امقلقاب‭ ‬ولا‭ ‬حل‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬الميزان‭ ‬الطاقي‭ ‬والاستغناء‭ ‬مستقبلا‭ ‬عن‭ ‬آلية‭ ‬القطع‭ ‬الدوري‭ ‬للكهرباء‭ ‬التي‭ ‬لجأت‭ ‬إليها‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬الا‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬وضعت‭ ‬استراتيجية‭ ‬طموحة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مساهمة‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬80%‭ ‬بحلول‭ ‬2050،‭ ‬مروراً‭ ‬بـ35%‭ ‬سنة‭ ‬2030‭ ‬و50%‭ ‬في‭ ‬2035‭. ‬ووفق‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الخبراء،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬اممكن‭ ‬التنفيذب،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬تونس‭ ‬تمتلك‭ ‬إمكانيات‭ ‬هائلة‭ ‬تقدر‭ ‬بنحو‭ ‬280‭ ‬جيغاواط‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬و90‭ ‬جيغاواط‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬الرياح‭ ‬البرية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬250‭ ‬جيغاواط‭ ‬بحرية‭. ‬لكن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬بعض‭ ‬الصعوبات،‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬الشبكة‭ ‬الكهربائية‭ ‬الحالية‭ ‬وشح‭ ‬الأراضي‭ ‬المخصصة‭ ‬للمشاريع،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬حلول‭ ‬تخزين‭ ‬فعالة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستوجب‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬مع‭ ‬الجوار‭ ‬الأوروبي‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬التزود‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬السباقة‭ ‬في‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬أو‭ ‬البديلة‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬الأرقام‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ادون‭ ‬المأمولب،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬القدرة‭ ‬الكهربائية‭ ‬المركبة‭ ‬من‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬1120‭ ‬ميغاواط‭ ‬حتى‭ ‬أفريل‭ ‬2026‭.  ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬تسريع‭ ‬نسق‭ ‬المشاريع‭ ‬وتشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬وتحسين‭ ‬النجاعة‭ ‬الطاقية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القطاعات‭. ‬

تملك‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬كل‭ ‬المقومات‭ ‬الطبيعية‭ ‬لتصبح‭ ‬نموذجاً‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬الطاقي‭ (‬اشعة‭ ‬شمس‭ ‬حارقة‭ ‬ورياح‭ ‬متوفرة‭)‬،‭ ‬ويبقى‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مرهونا‭ ‬بقدرة‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التحديات‭ ‬إلى‭ ‬فرص،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬ارقام‭ ‬مرسومة‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬موارد‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬تصرف‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬قطع‭ ‬الكهرباء‭ ‬أزمة‭ ‬صيفية‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬سنة‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج والسياحة: مكاسب تعزز احتياطي العملة الصعبة لكن لا تغني عن الموارد الذاتية

الصحافة اليوم : خالصة حمروني في ظرف وجيز لا يتجاوز الأسبوعين، ارتفعت قيمة تحويلات التونسيي…