تحويل الدّيون إلى استثمارات لإعادة بناء المرافق العمومية: خطوة أخرى لدفع الإستثمار و التنمية
.. الصحافة اليوم: عواطف السويدي
عاد ملف تحويل الديون الخارجية إلى استثمارات ليتصدر النقاش الاقتصادي في تونس، بعد أن جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على ضرورة توظيف هذه الآلية في إعادة بناء المرافق العمومية وتمويل المشاريع التنموية، في وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع حجم المديونية وكلفة خدمتها.
وخلال اجتماع انعقد بقصر قرطاج، أول أمس الاثنين، بحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، ومحافظ البنك المركزي فتحي زهير النوري، خصّص للنظر في تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030، أكد رئيس الجمهورية أن الديون التي تراكمت على تونس الم يستفد منها الشعب التونسيب، رغم التزام الدولة بالإيفاء بجميع تعهداتها تجاه دائنيها.
وشدّد رئيس الدولة على ضرورة مضاعفة الجهود لتحويل هذه الديون إلى استثمارات مباشرة تُوجَّه لإعادة بناء المرافق العمومية وإنجاز المشاريع التي تنتظرها مختلف الجهات، معتبرا أن المرحلة الحالية تقتضي اعتماد خيارات وطنية قادرة على الاستجابة لانتظارات التونسيين.
و يأتي هذا التوجه في سياق برنامج حكومي أُعلن عنه منذ بداية السنة، حيث عقدت رئيسة الحكومة، في 27 جانفي 2026، مجلسا وزاريا مضيّقا خُصّص لدراسة برنامج تحويل الديون الخارجية إلى استثمارات في مشاريع تنموية ذات أولوية.
كما يأتي هذا التوجه في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى استمرار ارتفاع حجم المديونية العمومية. فقد بلغ الدين العمومي نحو 84.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2025، مقابل أقل من 50 بالمائة قبل نحو خمسة عشر عاما، وهو ما يعكس تزايد اعتماد الدولة على الاقتراض لتمويل الميزانية والاستثمار.
كما تشير بيانات البنك المركزي إلى أن حجم الدين الخارجي لتونس بلغ حوالي 126.4 مليار دينار خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، في حين تقدر اعتمادات خدمة الدين في ميزانية الدولة لسنة 2026 بنحو 23 مليار دينار، وهو ما يمثل أحد أكبر بنود الإنفاق العمومي، ويحد من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية للاستثمار وتحسين الخدمات الأساسية.
وخلال المجلس الوزاري المنعقد في جانفي الماضي، قدم وزير الاقتصاد والتخطيط قائمة أولية بالمشاريع المقترحة للشركاء الدوليين في إطار هذه الآلية، وتشمل قطاعات الصحة، والفلاحة، والبنية التحتية، والنقل، والتكنولوجيا، والتطهير، والطاقات المتجددة، والأمنين المائي والغذائي، إلى جانب مشاريع تستهدف دعم الإدماج الاجتماعي والاقتصادي وخلق فرص الشغل.
كما أكدت الحكومة انضمام تونس إلى مبادرة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، التي تتيح تنفيذ مشاريع مرتبطة بالتكيف مع التغيرات المناخية عبر آلية مقايضة جزء من الديون باستثمارات في التنمية المستدامة.
في هذا السياق، أكد عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب، زياد الماهرفي تصريح لـاالصحافة اليومب، أن آلية تحويل الديون إلى استثمارات تعدّ طريقة مبتكرة لمعالجة ملف المديونية بشكل جزئي، وتساهم بشكل مباشر في الحفاظ على مخزون البلاد من العملة الأجنبية. إلا أنه شدد على أنها لا تمثل حلاً منفرداً أو جذرياً لمعضلة التداين مهما توفرت لها من عوامل نجاح، ما لم تتنزل ضمن خطة إصلاحات هيكلية كبرى للاقتصاد الوطني تؤدي إلى تحسين مناخ الاستثمار وتطوير القطاع المالي والمصرفي وتبني نهج واضح لتوجيه الاستثمار والحد من الاعتماد على التداين مستقبلاً.
وأوضح الماهر أن هذه الآلية تبقى محدودة الأثر من الناحية الرقمية والعملية، حيث لا يمكن أن تتجاوز في أحسن الظروف نسبة 20% من إجمالي الديون، فضلاً عن كونها تخضع للتفاوض والتوافق الثنائي مع الأطراف المانحة، وتستثني عادةً الديون التجارية والسندات. وهو ما يجعل نجاحها مرهوناً بالقدرة التفاوضية للدولة ومدى وضوح رؤيتها الوطنية.
وفي سياق متّصل، حذّر عضو لجنة المالية من مخاطر سوء توجيه هذه الموارد، مؤكداً على ضرورة توفير ضمانات أساسية ترتكز على تعزيز التنسيق الأفقي والعمودي بين مختلف الوزارات والإدارات الفاعلة ووضع التمويلات وإدارة عمليات التنفيذ تحت إشراف هيئة استثمار وطنية مستقلة يترأسها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة وإحداث صندوق تنموي مخصص لتجميع الموارد داخل صندوق استثماري نموذجي محدد المهام والخطة والإشراف لضمان عدم تحول هذه الأموال إلى تغطية نفقات التصرف اليومي للجهاز الإداري أو نفقات التسيير أو أجور الموظفين وتفعيل الرقابة الصارمة من خلال إخضاع صندوق التمويل ومسار التنفيذ للرقابة الدورية المستمرة من قبل مجلس نواب الشعب ومحكمة المحاسبات.
وشدد زياد الماهر في تصريحه بالتأكيد على أن الهدف الأساسي من هذه الضمانات هو توجيه التمويلات حصراً نحو الأولويات الوطنية الكبرى والمشاريع المنتجة ذات القدرة التشغيلية العالية، بما يحقق التنمية الجهوية ويدعم الاقتصاد الوطني في إطار سياسة اقتصادية واضحة المعالم.
ولا تمثل مقايضة الديون بالاستثمار تجربة جديدة بالنسبة إلى تونس، إذ سبق أن أبرمت اتفاقيات مع عدد من الشركاء، من بينهم إيطاليا وألمانيا، أتاحت تحويل جزء من الديون إلى مشاريع تنموية في مجالات البيئة والتنمية المحلية والتكوين المهني ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن هذه الآلية، رغم أهميتها، لا تمثل حلاّ كاملا لأزمة المديونية، وإنما أداة تمويل مكمّلة تظل نتائجها مرتبطة بعدة عوامل، من بينها استعداد الدول الدائنة للدخول في مثل هذه الاتفاقيات، وقدرة تونس على إعداد مشاريع ذات جدوى اقتصادية واضحة وضمان تنفيذها في الآجال المحددة.
استنفار وحدات الحماية المدنية وأعوان الغابات والجيش والمتطوعين لإخماد النّيران عمل ملحمي بطولي يطوّق الحرائق
.. الصحافة اليوم : عواطف السويدي مع توالي موجات الحرّ وارتفاع درجات الح…
