نحو تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وتعزيز العدالة الاجتماعية: برنامج شامل لإعادة هيكلة أنظمة الضمان الاجتماعي
الصحافة اليوم : سميحة الهلالي
أعلن وزير الشؤون الاجتماعية، عصام الأحمر، عن إعداد برنامج شامل لإعادة هيكلة أنظمة الضمان الاجتماعي في تونس، تأكيدا على حرص الدولة على تطوير منظومة الحماية الاجتماعية ومواكبة التحولات الاقتصادية والديمغرافية التي تشهدها البلاد.
جاء هذا الإعلان على هامش المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات الاجتماعية الذي تحتضنه تونس، بمشاركة مسؤولين وخبراء من عدة دول عربية لتبادل التجارب حول استدامة أنظمة التقاعد.
إذ تعيش صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي في تونس، وأبرزها الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، منذ سنوات وضعا ماليا دقيقا نتيجة اختلال التوازن بين عدد النشيطين المساهمين وعدد المتقاعدين إضافة إلى ضعف التسيير الذي طال جلّ مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية.
في هذا السياق أكد النائب بالبرلمان صالح السالمي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان هناك العديد من المبادرات بمجلس نواب الشعب دعت الى اعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية فقد عرفت هذه الأخيرة أزمة مالية متفاقمة منذ سنوات، نتيجة عدة عوامل متداخلة من بينها اختلال التوازن بين المداخيل والنفقات. ويعود ذلك أساسًا إلى ارتفاع عدد المتقاعدين مقابل تقلص عدد المساهمين، إضافة إلى تفشي العمل غير المنظم وضعف الاستخلاص. كما ساهمت التغيرات الديمغرافية وتباطؤ النمو الاقتصادي في تعميق هذه الأزمة، مما يفرض ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية لضمان استدامة هذه المنظومة وحماية الحقوق الاجتماعية تستند إلى استراتيجية واضحة.
وأبرز محدثنا في هذا الصدد أنه من الضروري إرساء مقاربة عملية تتصل بالواقع التونسي لإدماجهم في منظومة الضمان الاجتماعي، مضيفا أن العدالة الاجتماعية لا تتضمن فقط القضاء على الفقر ولكنها متعددة الأبعاد….
وأفاد في السياق ذاته أن الدولة تعمل على توفير أرضية للحماية الاجتماعية كاملة من خلال توفير الحد الأدنى من الدخل وتوفير حماية صحية مفتوحة خاصة العناية بكبار السن…
وشدّد محدثنا على أن إعادة هيكلة منظومة الضمان الاجتماعي تقتضي العمل على إعداد تصورات تأخذ بعين الاعتبار العوامل الخارجية والبحث عن مصادر تمويلية جديدة تستجيب للواقع التونسي، مضيفا أن الهيكلة يجب ان تعتمد على رؤية عميقة والخروج من مصادر التمويل التقليدية.
فتونس، وكما هو معلوم،بالإضافة إلى ما تشهده من تحول ديمغرافي متسارع نحو الشيخوخة، وانخفاض عدد المنخرطين الجدد مما يقلص تدريجيا نسبة التغطية، أي عدد النشيطين الذين يموّلون جراية كل متقاعد، بالإضافة إلى عمليات التخريب الممنهجة التي عانت منها الدولة خاصة خلال العشرية السوداء، حيث نشطت عمليات الفساد والإفساد من سرقات وتعويضات مما جعل هذه المؤسسات الخدمية تعيش حالة إفلاس غير معلنة.
وقد لجأت الحكومات المتعاقبة في السنوات الفارطة إلى جملة من الإجراءات لمعالجة هذا الاختلال، أبرزها قانون إصلاح الجرايات والترفيع في سن التقاعد في القطاع العام وقد ساهمت هذه الخطوات في كسب بعض الوقت وتخفيف حدة الضغط المالي على الصناديق في المدى القصير، إلا أنها ظلت في جوهرها إجراءات ظرفية تستجيب لضرورات آنية أكثر مما تعالج الاختلالات الهيكلية العميقة وهذا ما يفسر اليوم التوجه نحو تصور إصلاحي أشمل يأخذ بعين الاعتبار البعد التنموي والاجتماعي، لا الجانب الحسابي فقط، ويسعى إلى معالجة الأسباب لا الأعراض فحسب.
في هذا السياق، تعمل وزارة الشؤون الاجتماعية على عدة مسارات موازية لتعزيز صلابة المنظومة وتنويع مصادر تمويلها. فمن جهة، يجري العمل على تطوير أنظمة التقاعد التكميلي لتخفيف العبء عن الصناديق الأساسية وفتح خطوط تمويل إضافية لا تعتمد فقط على اشتراكات النشيطين ومن جهة أخرى تسعى الوزارة إلى إدماج العاملين في القطاع غير المنظم ضمن دائرة التغطية الاجتماعية، وهي فئة واسعة ما تزال بعيدة عن الانخراط في أنظمة الضمان رغم أهميتها العددية، وهو ما يشكل في الآن نفسه تحديا وفرصة حقيقية لتوسيع قاعدة الممولين للصناديق.
كما تولي الوزارة أهمية خاصة لتحسين آليات الاستخلاص ومكافحة التهرب من الاشتراكات الاجتماعية، باعتبارها رافدا رئيسيا لتعزيز موارد الصناديق دون الحاجة إلى مزيد من الأعباء على المساهمين الحاليين ويأتي ذلك ضمن رؤية تقوم على ربط الإصلاح بالواقع المعيش للمواطن، مع التركيز على جودة الخدمات المقدمة وضمان الحماية الفعلية لكل الفئات.
وعلى صعيد التشريع، أعلن الوزير عن قرب استكمال مشروعي قانونين مهمين، أحدهما ينظم العمل عن بعد في القطاع الخاص، والثاني خاص باقتصاد المنصات الرقمية. ويهدف هذان النّصان إلى مواكبة التحولات التي يشهدها سوق الشغل، وضمان انخراط العاملين في هذه الأنماط الجديدة من التشغيل ضمن منظومة الضمان الاجتماعي، بعد أن ظلوا لسنوات خارج دائرة التغطية الرسمية.
يندرج هذا التصور الجديد ضمن رؤية أوسع للدولة تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية كركيزة أساسية للاستقرار والتنمية إذ تبذل الحكومة جهودا متواصلة لتطوير المنظومة الاجتماعية، سواء من خلال برامج الدعم المباشر، أو تعزيز التغطية الصحية، أو مواجهة الفقر بمختلف أبعاده، وإصلاح الضمان الاجتماعي يمثل حلقة أساسية في هذا المسار على عكس المقاربات السابقة التي اقتصرت على حلول ترقيعية لسد العجز الآني.
و يراهن التصور الجديد على معالجة جذرية تجمع بين الاستقرار المالي للصناديق الاجتماعية وتوسيع دائرة المستفيدين وتحسين جودة الخدمات وهو ما من شأنه أن يضمن حقوق الأجيال القادمة، ويقلص الفوارق بين مختلف الفئات والجهات، بما يترجم فعليا تعهّد الخطاب الرسمي ببناء نظام اجتماعي عادل يضمن الكرامة لكل مواطن.
ومن المنتظر أن يشكل هذا البرنامج نقلة نوعية في مسار الضمان الاجتماعي وأن نجاحه سيعزز صورة تونس كدولة قادرة على تطوير خدماتها الاجتماعية وتحديث مؤسساتها، بما ينسجم مع المعايير الدولية نحو بناء أنظمة تقاعد أكثر مرونة واستجابة لانتظارات المضمونين الاجتماعيين ، ويؤكد أن إصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية حين يُبنى على أسس صحيحة وواضحة يمكن أن يحوّلها من عبء مالي إلى رافعة حقيقية للتنمية والاستقرار الاجتماعي.
في ظلّ التّحديات المناخية الأمـن المـائي أولـوية وطـنـيـة..
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي في ظل التحديات المناخية والمتمثلة في ترا…
