موجة الحر ترفع كلفة الاقتصاد التونسي: من فاتورة الطاقة إلى تراجع الإنتاجية
الصحافة اليوم : مديحة معمري
لم تعد موجات الحر في تونس مجرد ظاهرة مناخية موسمية بل أصبحت عاملاً اقتصادياً مؤثراً يفرض كلفة متزايدة على المؤسسات والأسر والمالية العمومية. فمع تسجيل درجات حرارة لامست 49 درجة مائوية في عدد من الولايات خلال هذه الفترة وبلوغ الطلب على الكهرباء مستويات قياسية برزت مجدداً هشاشة المنظومتين الطاقية والمائية وما يترتب عنها من انعكاسات مباشرة على النشاط الاقتصادي. وتكشف الأزمة الحالية أن الاقتصاد التونسي يواجه ضغطاً مزدوجاً فمن جهة ارتفع الاستهلاك بشكل غير مسبوق نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف ومن جهة أخرى أصبحت قدرات الإنتاج والنقل الكهربائي تعمل عند حدودها القصوى وهو ما دفع إلى اعتماد القطع الدوري لتخفيف الضغط على الشبكة وتفادي انهيارها. وتشير المعطيات إلى أن ذروة الاستهلاك تتركز بين الثانية والخامسة مساء وهي الفترة التي تسجل أعلى الأحمال على الشبكة الكهربائية. ولا تتوقف الكلفة عند قطاع الطاقة بل تمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية فالانقطاعات المتكررة للكهرباء تؤدي إلى اضطراب نسق الإنتاج الصناعي وتعطل بعض الخدمات وارتفاع نفقات المؤسسات التي تضطر إلى اللجوء إلى مولدات كهربائية أو تقليص ساعات العمل أما المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل أكثر من 97% من النسيج الاقتصادي التونسي فهي الأقل قدرة على استيعاب هذه الأعباء الإضافية في ظل ارتفاع كلفة التمويل وضعف هوامش الربحية.
وفي القطاع الفلاحي تزيد موجات الحر من حدة أزمة المياه التي تعيشها البلاد منذ سنوات فحصة الفرد من الموارد المائية المتجددة تراجعت إلى أقل من 500 متر مكعب سنوياً وهو مستوى يصنف تونس ضمن البلدان التي تعاني شحاً مائياً حاداً في حين يستهلك القطاع الفلاحي نحو 80% من الموارد المائية المتاحة. وفي ظل هذه المعطيات يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة حاجيات الري وتراجع مردودية الزراعات وارتفاع نسب الإجهاد الحراري لدى الماشية والدواجن بما ينعكس على كلفة الإنتاج وأسعار المواد الغذائية.
ولا يقل الضغط على القطاع السياحي الذي يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة. فالسياحة تسهم بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر أكثر من 400 ألف موطن شغل غير أن ارتفاع استهلاك الفنادق للكهرباء والمياه إلى جانب أي اضطراب في التزود بهذه الخدمات يرفع كلفة التشغيل ويؤثر في جودة الخدمات وفي تنافسية الوجهة التونسية.
أما على مستوى المالية العمومية فإن موجات الحر تفرض نفقات إضافية مرتبطة بإنتاج الكهرباء وصيانة الشبكات ومكافحة الحرائق والتدخلات الصحية في وقت تعاني فيه الميزانية أصلاً من ضغوط كبيرة. كما أن زيادة الاعتماد على واردات الغاز لتلبية الطلب المحلي تعمق عجز الميزان الطاقي الذي يمثل أحد أبرز نقاط ضعف الاقتصاد الوطني.
وتبرز هذه التطورات أن ما تعيشه تونس ليس أزمة ظرفية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة بل هو اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على التكيف مع التغيرات المناخية. فكل ساعة انقطاع للكهرباء تعني انخفاضاً في الإنتاجية وكل اضطراب في التزود بالمياه ينعكس على الفلاحة والصناعة والسياحة بما يحوّل موجات الحر إلى عامل اقتصادي مؤثر في النمو والاستثمار والتشغيل.
ومن هذا المنطلق لم يعد الاستثمار في الطاقات المتجددة وتحديث شبكات الكهرباء والمياه وتحسين كفاءة استهلاك الموارد خياراً بيئياً فحسب بل أصبح ضرورة اقتصادية. فالكلفة التي تتحملها الدولة اليوم لمعالجة آثار موجات الحر قد تكون أقل بكثير من الكلفة التي سيدفعها الاقتصاد مستقبلاً إذا بقيت هذه الأزمات تتكرر بالوتيرة نفسها دون إصلاحات هيكلية.
من أجل استثمارات فلاحية مستدامة: برنامج اADAPT ب يفتح باب التمويل ويعرض فرصه على المستثمرين
الصحافة اليوم : مديحة معمري تحتضن وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية (A…
