الخبير الدولي في الطاقة سامي بن رجب يكشف لـلصحافة اليوم
خارطة طريق واضحة لتفادي إنقطاع التيار الكهربائي مستقبلاأثارت موجة انقطاعات التيار الكهربائي الأخيرة في تونس موجة إستياء كبيرة في صفوف المواطنين بعدما أربكت حياتهم اليومية و تسبّبت في خسائر اقتصادية و تجارية مباشرة وغير مباشرة. وأمام هذا الوضع غير المسبوق أصبحنا نبحث عن الطرق الضرورية والعاجلة لتفادي تكرار هذه السيناريوهات مستقبلا.
ويطرح الخبير الدولي في الطاقة سامي بن رجب خلال حديثه لـاالصحافة اليومب رؤية متكاملة وشاملة تتمثل في خارطة طريق تشمل الحلول على المدى القريب والمتوسط والبعيد لتأمين الكهرباء وتفادي انقطاعه ، بعد تفكيك أسباب الأزمة الاخيرة وتشخيصها.
ويؤكد الخبير سامي بن رجب أن جذور أزمة انقطاع التيار الكهربائي الأخيرة تعود إلى تداخل عدة عوامل مناخية وهيكلية أثّرت بشكل مباشر على منظومة الطاقة . كما ان الاحتباس الحراري له دور كبير حيث ارتفعت درجات الحرارة بشكل قياسي ما أثرعلى انتاج الكهرباء وانخفاض مردودية محطات الإنتاج سواء بدورة مزدوجة او فوطوضوئية بنسبة وصلت إلى أكثر من 20 بالمائة ما حدّ من قدرتها على إسناد الشبكة أثناء الأزمة.
كما تزامنت أزمة الإنتاج مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات الاستهلاك نتيجة الطلب المكثف على التكييف والتي تغذت من الانتشار الكبير للمكيّفات غير المجهزة بمعايير كفاءة الطاقة والتي يتم اقتناؤها من السوق الموازية حيث تستهلك هذه الأجهزة كميات أكثر من الكهرباء مقارنة بالاجهزة المقتناة من السوق المنظمة .
وأمام هذا الحمل الزائد والارتفاع القياسي في درجات الحرارة، تعثرت البنية التحتية للإنتاج والنقل والتوزيع بما فيها الكوابل والمحولات التي تم تصميمها للعمل ضمن درجات حرارة معينة، فنجمت عن الحر الشديد و الطلب غير المعتاد حرارة مفرطة لهذه المعدات ما أسفر عن أعطاب فنية عرقلت عملية توفير الكهرباء للمواطنين.
الحلول الممكنة
ويؤكد الخبير الدولي أن الحل الاستراتيجي يكمن في تبني ما اسماه بعقيدة الأمن الطاقي كحل وهو في نفس الوقت حيني، حتى لا تتكرر تجربة جويلية 2026 وكذلك مستدام للأجيال القادمة.
ويضيف انه لا يمكن لأي استراتيجية ان تطبق على أرض الواقع اذا لم يقع تبنيها وقبولها من طرف المواطن والمجتمع اذ يعتبر ترشيد الاستهلاك والتوعية الجماعية الحل الأسرع والأرخص تبعا لمقولة ان االطاقة الأقل كلفة هي الطاقة التي يقع تفادي استهلاكهاب ويتجسد هذا السلوك في عدة أمثلة منها تعديل المكيفات على درجة حرارة لا تقل عن 25 درجة مائوية واقتناء التجهيزات الأكثر نجاعة في استهلاك الطاقة لتخفيف الضغط عن الشبكة. كما يجب تعزيز آليات الكفاءة الطاقية في القطاع السكني عبر العزل الحراري والتصميم الذكي والبرمجيات التي تساعد على تعديل الاستهلاك حسب الطلب، الا ان هذه الحلول تتطلب تدخل الدولة سواء للدعم المادي على شاكلة آلية دعم عزل الأسطح المنزلية من طرف الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة او إلزام مقاولي البناء بمعايير أكثر صرامة للنجاعة الطاقية مع الحرص على تطبيقها.
تعدّد مصادر الطاقة وبلدان الإمداد
وأثبتت التجربة الألمانية بالإعتماد شبه الكلي على الغاز الروسي وتشجيع الطاقة المتجددة المتزامن مع الحد من استعمال مصادر طاقة أخرى كالنووية او الفحم الحجري هشاشة هذه المقاربة رغم سلامة نواياها بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 2022.
وتبنت أوروبا بعيد هذه الحرب، استراتيجية تتمثل في عدم التعويل على بلد واحد في الإمداد الطاقي وعدم الاعتماد على مصدر حصري للطاقة حتى تتوفر الإمدادات البديلة لتلافي النقص في الامداد او الحد من الخسارة في حال ارتفاع سعر مصدر من مصادر الطاقة.
و يقول بن رجب انه رغم اختلاف الوضعية الجيوسياسية في تونس والتي تتميز بعلاقات حسن جوار مع جيرانها المباشرين الجزائر وليبيا فضلا على أوروبا في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، تبقى عقيدة الأمن الطاقي ضرورية لتونس وهو ما أثبتته الأزمة الأخيرة حيث لم تتكمن تونس من توريد الكمية المعتادة من الكهرباء من الجزائر نظرا لعطب تقني تسبب في قطع شامل للكهرباء في الشرق الجزائري في أوج الطلب على الكهرباء في البلدين.
وحسب الخبير الدولي فان تطبيق هذه العقيدة في بلادنا يتجسد في تنويع مصادر الطاقة لإنتاج الكهرباء حيث تعتمد تونس على أكثر من 90 بالمائة من الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، ثلثيها قادم من منظومة أنبوب اترانسمادب التي تنقل الغاز من الجزائر إلى إيطاليا عبر تونس، اذ يستوجب أولا إنشاء محطات توريد غاز مسال لتنويع بلدان الإمداد لهذا المصدر والاعتماد على طاقات أخرى لإنتاج الكهرباء كالشمس والريح والطاقة النووية كالمفاعلات الحديثة من نوع اSMRب الأكثر ملاءمة لبلدان مثل تونس نظرا لقدرتها على تلبية قدرة صغيرة للإنتاج وسهولة إنشائها و سلامتها المعززة بالمقارنة بالمنشآت النووية التقليدية. كما يجب تشجيع الاستثمار في الطاقة الأحفورية نظرا للتقلص المستمرلإنتاج الآبار الحالية وذلك بتنقيح مجلة الطاقة و الانفتاح الحذر والتدريجي لـ اشيستب للتأكد من محدودية إضراره بالبيئة علما و ان الجزائر قد تبنت هذا التمشي بالشراكة مع الشركات الأمريكية العملاقة في النفط و الغاز.
وتبقى الكهرباء المستمدة من الشمس والريح ذ حسب بن رجب- مصدرا مهما لبلد مثل تونس يزخر بوفرتها و بوفرة كفاءة الموارد البشرية سواء في الشركة التونسية للكهرباء والغاز أو القطاع الخاص التونسي. وقد أثبتت تجربة اProsol Elecب المتمثلة في تسهيل تركيب الطاقة الفوطوضوئية والتسخين الشمسي التي انطلقت من 2007 و2011 والمتواصلة إلى حد الآن ان تونس قادرة على النجاح في هذا الميدان حيث وصلت القدرة المنجزة إلى 485 ميغاوات في الكهرباء المنخفض الجهد و82000 متر مربع من الألواح الشمسية المعدة للتسخين.
اما بالنسبة للمنشآت ذات القدرة العالية، يبقى نظام اللزمات النظام الأنسب نظرا لتحمّل القطاع الخاص أغلب أعباء التمويل و المخاطرة وتحصل الشركة التونسية للكهرباء والغاز على طاقة أقل تكلفة مما تنتجه بحوالي ثلاثة مرات . وهو ما سيقلص الاعتماد على التوريد بالعملة الصعبة ويزيد من الاعتماد على الطاقة المنتجة في تونس ويعزز قدرة الإنتاج في وقت الذروة اذ يبقى ادماج القطاع الخاص سواء الأجنبي أو التونسي مهما لتخفيف العبء المالي والتقني على الشركة التونسية للكهرباء والغاز التي ستبقى المشتري الحصري للكهرباء المنتجة من الخواص و المالك للمنشأة بعد نهاية فترة اللزمة. وقد شهدت تونس أول منشأة تحت نظام اللزمات تدخل حيز الخدمة في ديسمبر 2025 في ولاية القيروان بقدرة 100 ميغاوات من مستثمر إماراتي وشركة إنشاء صينية. كما تجدر الإشارة إلى ان المبادرة الخاصة لا تمنع الشركة التونسية للكهرباء والغاز من الزيادة في إنتاجها بالإعتماد على كفاءاتها المشهود لها وطنيا وعالميا.
وبالإضافة الى ذلك، تتجسد عقيدة الأمن الطاقي من خلال تعزيز و توسيع نطاق الربط بين شبكات الكهرباء مع الجيران الجزائري و الليبي و الأوروبي، مذكرا بنموذج الربط الناجح بين المغرب و اسبانيا اذ تغطي المغرب جزءا مهما من حاجياتها من اسبانيا فضلا على امدادها للشبكة الاسبانية ومعاضدتها عند القطع الشامل للكهرباء في 2025. وستشهد تونس عبر مشروع اELMEDب أول خط ربط كهرباء تيار مستمر بين إفريقيا وأوروبا بقدرة 600 ميغاوات. ولو كان هذا المشروع قائما اليوم لمكننا من تفادي أزمة انقطاع الكهرباء الأخيرة في تونس نظرا لإمكانية الامداد من أوروبا عند حدوث العطب التقني في الجزائر و استحالة الامداد من جارنا الغربي.
تحديث الشبكة
كما تتطلب عقيدة الأمن الطاقي، في جانبها الكهربائي شبكة حديثة و ذكية و يمكن الاعتماد عليها حتى في ظروف مناخية و تقنية صعبة.
ويشدّد محدثنا على انه بالإضافة الى وجوبية التجديد المستدام للشبكة، يجب الآن التفطن الى ان الحالة المناخية قد تغيرت جذريا في تونس بالنظر للتغير المناخي (وتجدر الإشارة هنا إلى أن بلداننا هي الأكثر تأثرا بهذه التغيرات رغم عدم مسؤوليتنا عنها) وهو ما يحتم تصميم الشبكة وآلياتها باعتبار درجات حرارة مرتفعة جدا وممتدة على فترة زمنية طويلة.
كما يجب التسريع في تبني العدادات الذكية التي قال محدثنا أنها تكنولوجيا تمكن الـاستاغب من إدارة الذروة بكفاءة عبر قطع الكهرباء آليا عن الأجهزة الأكثر استهلاكا وهو ما سيحد من قطع الكهرباء. كما تمكن هذه العدادات من تعديل أسعار الاستهلاك من خلال رفع التكلفة في ساعات الذروة لتشجيع المواطن على ترشيد الاستهلاك. و تساعد الـ استاغب على تحسين توقعات الاستهلاك وتقليص الخسائر التجارية التي تتكبدها الشركة والناجمة عن سرقة الكهرباء وعدم استخلاص الفواتير.
ويشير محدثنا الى ان كل هذه الحلول تتطلب وقتا من 5 سنوات الى 10 سنوات اذا انطلقنا في اعتماد النقاط المذكورة من الان ودون اعتبار مدة التعاقد. وتبقى الطاقة الشمسية الفوطوضوئية الأسرع إنشاء بفترة يمكن ان تصل إلى أقل من سنتين والأقل كلفة. لكن في المقابل، تتطلب آليات وكلفة استقرار نظرا لتذبذبها.
ويشدد سامي بن رجب في ختام حديثه على أهمية التعبئة العامة لتحقيق الأمن الطاقي لتونس اذ يعتبر ان الطاقة عموما والكهرباء خصوصا أولوية قصوى للبلاد ويؤكد على خطورة تسييس الرأي العام أو الانقياد الى صراعات ايديولوجية أو الإنسياق نحو أطروحات شعبوية، واضعا حق المواطن في كهرباء مستقرة وبجودة عالية في كل شبر من تونس وفي كل فصل ولو وقت الذروة فوق كل اعتبار، ومن واجب الدولة توفير هذه الخدمة الأساسية لجميع المواطنين حفاظا على مصالحهم الحيوية.
رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة لـاالصحافة اليومب: قرار الترفيع في أسعار عدد من الأدوية مفاجئ ولا يخدم أصحاب الصيدليات
!الصحافة اليوم: أقرّت الصيدلية المركزية التونسية مراجعة جديدة لأسعار…
