رقمنة القطاع الصحي حين يصبح الملفّ الطبي ذاكرة الوطن الصّحية
الصحافة اليوم :عادل البرينصي
تأتي بعض الخطوات متأخرة، لكنها تظل أفضل من ألاّ تأتي أبداً. ومن هذا الباب يمكن النظر إلى إعلان وزارة الصحة قرب إطلاق البوابة الوطنية لصحة المواطن اSahetna.tnبوتعميم المعرّف الوطني للصحة، باعتباره أحد أهم التحولات التي يشهدها القطاع الصحي التونسي منذ عقود. فالقضية ليست إطلاق منصة إلكترونية جديدة أو استحداث رقم تعريفي إضافي، وإنما الانتقال من إدارة صحية تقوم على الورق والملفات المتناثرة إلى منظومة رقمية متكاملة تجعل المعلومة الطبية جزءاً من منظومة وطنية حديثة، دقيقة وآمنة وقابلة للتطوير.
لقد ظلت الإدارة الصحية في تونس، كما في كثير من الدول النامية، رهينة الأرشيف الورقي الذي يضيع، والملفات التي تتكرر، والوثائق التي يحملها المريض من مستشفى إلى آخر وكأنها جزء من رحلته العلاجية.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع اSahetna.tnبوالمعرّف الوطني للصحة. فلكل مواطن ملف صحي واحد، ولكل ملف تاريخ طبي متكامل، ولكل طبيب إمكانية الاطلاع على المعطيات الضرورية التي تساعده على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. إنها ثورة هادئة في طريقة إدارة القطاع الصحي، لأنها تنقل المعرفة من الورق إلى البيانات، ومن الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الرقمية.
ولعلّ أكثر ما يمنح هذه الخطوة قيمتها أنها لا تخدم المواطن وحده، وإنما تعيد تنظيم القطاع الصحي بأكمله. فالطبيب لن يضطر إلى إعادة طلب تحاليل أُنجزت قبل أيام في مؤسسة أخرى، ولن يبدأ في كل مرة رحلة البحث عن تاريخ مرضي قد يكون حاسماً في التشخيص. كما ستتمكن الفرق الطبية من متابعة الحالات المزمنة بصورة أكثر دقة، ورصد تطور الأمراض، وتقييم فعالية العلاج، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات مكتملة لا على رواية المريض وحدها.
فكم من مريض تعرّض لمضاعفات بسبب نقص المعلومات أو ضياع ملفه الطبي؟ وكم من طبيب اضطر إلى اتخاذ قرار في غياب معطيات دقيقة؟ وكم من مؤسسة صحية أنفقت موارد إضافية لإعادة فحوصات سبق إنجازها؟ كل ذلك يمكن أن يتراجع بصورة كبيرة عندما تصبح البيانات الصحية متاحة، مؤمّنة، ومحدثة باستمرار.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الرقمنة لا تقف عند حدود حفظ الملفات، بل تمتد إلى ما هو أبعد، أي إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في قلب المنظومة الصحية. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، وإنما يحتاج إلى قواعد بيانات دقيقة وواسعة حتى يستطيع تحليل المؤشرات، والتنبؤ بالمخاطر، والمساعدة في التشخيص، والكشف المبكر عن الأمراض، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية. ومن دون رقمنة شاملة تبقى تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجرد شعارات تقنية لا تجد ما تعتمد عليه.
ولهذا فإن إنشاء قاعدة بيانات صحية وطنية يمثل حجر الأساس لكل مشروع مستقبلي في الطب الرقمي. فمن خلالها يمكن تتبع انتشار الأمراض، ورسم الخرائط الوبائية، وتحديد حاجيات الجهات، وتحسين التخطيط الصحي، وترشيد الإنفاق العمومي. كما يمكن للدولة أن تنتقل من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى توقعها والاستعداد لها، وهو ما أثبتت أهميته التجارب العالمية، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 التي كشفت أن الدول الأكثر قدرة على إدارة البيانات كانت الأسرع في اتخاذ القرار.
وفي المقابل، فإن المواطن سيكون المستفيد الأول من هذا التحول. فالبوابة الرقمية الجديدة ستمنحه إمكانية متابعة مواعيده الطبية، وإدارة ملفه الصحي وملفات أفراد أسرته، والاطلاع على معطياته بكل سهولة وأمان. وهذا لا يعني فقط تبسيط الإجراءات الإدارية، بل يعني أيضاً إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره شريكاً في إدارة صحته، لا مجرد متلقٍ للخدمة.
كما أن رقمنة القطاع الصحي تمثل خطوة أساسية في مقاومة البيروقراطية والفساد الإداري. فكل عملية تصبح قابلة للتتبع، وكل معلومة موثقة، وكل خدمة قابلة للقياس والتقييم. وعندما تصبح البيانات رقمية تقل فرص التلاعب، ويصبح تقييم الأداء أكثر موضوعية، وتتراجع مظاهر الفوضى التي طالما أثقلت كاهل المؤسسات الصحية.
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي لهذا المشروع. فالتحول الرقمي يوفر ملايين الدنانير التي كانت تُهدر في الطباعة والأرشفة الورقية وتكرار الفحوصات والإجراءات. كما يسمح بتحسين استغلال الموارد البشرية، ويمنح الإدارة الصحية أدوات أفضل للتخطيط والشراء وإدارة المخزون، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات وعلى كفاءة الإنفاق العمومي.
كما أن نجاح التجربة يقتضي الإسراع في تعميمها على القطاع الخاص أيضاً، حتى يصبح الملف الصحي موحداً بالفعل، لا مجزأً بين مؤسسات متعددة. فالمريض لا يفرّق بين مستشفى عمومي ومصحة خاصة عندما يتعلق الأمر بصحته، ولذلك يجب أن تكون المعلومة الطبية هي نفسها أينما تلقى العلاج.
وربما تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تتجاوز القطاع الصحي نفسه. فإذا نجحت رقمنة الصحة، فإنها ستقدم نموذجاً عملياً يمكن أن يحتذى به في التعليم، والعدالة، والنقل، والإدارة، وسائر المرافق العمومية. فالتحول الرقمي لا يبدأ من التكنولوجيا، بل يبدأ من الإرادة في تغيير طريقة إدارة الدولة، وجعل البيانات أساساً لصنع القرار.
إن إطلاق اSahetna.tnبليس مجرد إضافة موقع إلكتروني إلى شبكة الإنترنت، بل هو إعلان عن بداية انتقال طال انتظاره من إدارة الملفات إلى إدارة المعرفة، ومن العلاج برد الفعل إلى العلاج المبني على المعلومة، ومن الدولة الورقية إلى الدولة الرقمية. وإذا استكملت هذه الخطوة بما تحتاجه من تشريعات واستثمارات وكفاءات، فإنها قد تكون واحدة من أكثر الإصلاحات تأثيراً في مستقبل الصحة العمومية، وبداية حقيقية لرقمنة شاملة تجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، وتجعل حق المواطن في خدمة صحية حديثة وآمنة أكثر من مجرد شعار، بل واقعاً يومياً يلمسه في كل مؤسسة صحية.
الذكاء الإصطناعي رهان جديد تعمل تونس على كسبه
الصحافة اليوم :عادل البرينصي في الماضي، كانت الدول تتنافس على امتلاك الأرض، ثم تنافست على …
