2026-08-05

خضعت‭ ‬لتعديلات‭ ‬متكرّرة ‭ ‬متى‭ ‬ايُفرجب‭ ‬عن‭ ‬مجلّة‭ ‬المياه‭ ‬الجديدة؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬نورة‭ ‬العثماني

في‭ ‬ظل‭ ‬تغيرات‭ ‬مناخية‭ ‬متلاحقة‭ ‬باتت‭ ‬تهدد‭ ‬مختلف‭ ‬منظومات‭ ‬الإنتاج‭ ‬و‭ ‬بالتالي‭ ‬مستوى‭ ‬عيش‭ ‬المواطن‭ ‬التونسي‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬المياه‭ ‬الصالحة‭ ‬للشرب‭ ‬ما‭ ‬يزال‭  ‬القانون‭ ‬المنظم‭ ‬لاستغلال‭ ‬وحماية‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬و‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬المياه‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬وضعه‭  ‬إذ‭ ‬لم‭  ‬يعرف‭ ‬تغييرا‭ ‬يذكر‭ ‬منذ‭ ‬إصداره‭  ‬بمقتضى‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬16‭ ‬لسنة‭ ‬1975‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬مارس‭ ‬1975‭. ‬فقد‭ ‬ظلّت‭ ‬قضية‭ ‬المياه‭  ‬مهملة‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬المواطن‭ ‬والفلاح‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬للمياه‭  ‬وحرمان‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭  ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬الطبيعي‭ ‬والانساني‭ ‬والدستوري‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ندرتها‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬بمختلف‭ ‬منظوماته‭.‬

‭ ‬فهذه‭ ‬المجلة‭  ‬لم‭ ‬تخضع‭  ‬سوى‭ ‬لتعديلات‭ ‬طفيفة‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬1987‭ ‬و1988‭ ‬و2001،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬أولى‭ ‬الخطوات‭ ‬لإعداد‭ ‬مشروع‭ ‬مجلة‭ ‬مياه‭ ‬جديدة‭ ‬سنة‭ ‬2009‭ ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬النسخة‭ ‬التي‭ ‬انتظرت‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬لترى‭ ‬النور،‭ ‬أثارت‭ ‬موجة‭ ‬استنكار‭ ‬واسعة‭ ‬إثر‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬استشارة‭ ‬موسعة‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2015‭ ‬ضمّت‭ ‬ممثلين‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الاختصاص‭. ‬حيث‭ ‬اعتبر‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬مجلة‭ ‬المياه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬تطلعات‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬توافقه‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التّصرف‭ ‬المستدام‭ ‬في‭ ‬الثروة‭ ‬المائية‭.‬

وتعود‭ ‬اليوم‭ ‬المسألة‭ ‬المائية‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬الاحداث‭  ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬للماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشراب‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬الجمهورية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الصائفة‭ ‬وعادت‭  ‬الانظار‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬الى‭ ‬مجلة‭ ‬المياه‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬الى‭ ‬تعديلات‭ ‬متكررة‭ ‬لكن‭ ‬النسخة‭ ‬النهائية‭ ‬منها‭ ‬المعلن‭ ‬عنها‭ ‬سابقا‭  ‬مازالت‭ ‬قيد‭ ‬الاطلاع‭ ‬و‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭ ‬الى‭ ‬المصادقة‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬فبعد‭ ‬سلسلة‭ ‬ماراطونية‭ ‬من‭ ‬الاجتماعات‭ ‬والمشاورات‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬افضت‭ ‬فقط‭  ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬وزاري‭ ‬مضيّق‭ ‬بتاريخ‭ ‬25‭ ‬فيفري‭ ‬2025‭.‬

وتهدف‭ ‬التعديلات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬المجلة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬حوكمة‭ ‬الملك‭ ‬العمومي‭ ‬للمياه‭  ‬وترسيخ‭ ‬آليات‭ ‬التصرف‭ ‬المندمج‭ ‬والمستدام،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬وحماية‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬وتثمينها‭ ‬وقد‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬التعديلات‭ ‬عدة‭ ‬محاور‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬إحداث‭ ‬هياكل‭ ‬متخصصة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬القطاعية‭ ‬والوطنية‭ ‬والجهوية‭ ‬لضمان‭ ‬إدارة‭ ‬فعالة‭ ‬للموارد‭ ‬المائية‭  ‬والتنصيص‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشرب‭ ‬وفقًا‭ ‬لمقتضيات‭ ‬الدستور،‭ ‬وتثبيت‭ ‬الملك‭ ‬العمومي‭ ‬للمياه‭ ‬وحمايته‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬استغلال‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭  ‬وضبط‭ ‬آليات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬فترات‭ ‬الجفاف‭ ‬والوفرة‭ ‬المائية‭ ‬لضمان‭ ‬توزيع‭ ‬عادل‭ ‬ومستدام‭.‬

وشملت‭ ‬التعديلات‭ ‬أيضا‭ ‬حوكمة‭ ‬المجامع‭ ‬المائية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬أدائها‭ ‬وإحداث‭ ‬نظام‭ ‬معلوماتي‭ ‬وطني‭ ‬لمتابعة‭ ‬الملك‭ ‬العمومي‭ ‬للمياه‭ ‬وضمان‭ ‬نجاعة‭ ‬التصرف‭ ‬فيه‭  ‬وتشجيع‭ ‬استعمال‭ ‬المياه‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إعادة‭ ‬شحن‭ ‬الموائد‭ ‬المائية‭ ‬لمجابهة‭ ‬شح‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭  ‬مجلة‭ ‬المياه‭ ‬تتضمن‭ ‬سبعة‭ ‬عناوين‭ ‬رئيسية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬متكامل‭ ‬يواكب‭ ‬التحديات‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭. ‬

وفي‭ ‬متابعة‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة‭ ‬جدّد‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬والتصرف‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬حسين‭ ‬الرحيلي‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ‭ ‬االصحافة‭ ‬اليومب‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭  ‬اعتماد‭ ‬مقاربات‭ ‬جديدة‭  ‬وضبط‭ ‬التحديات‭ ‬المستقبلية‭ ‬للمياه‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مبينا‭ ‬بأن‭  ‬الأوان‭ ‬قد‭ ‬حان‭  ‬لإصدار‭ ‬مجلة‭ ‬المياه‭ ‬الجديدة‭  ‬وتضمين‭ ‬جميع‭ ‬التحديات‭ ‬المستقبلية‭ ‬بها،‭  ‬وأكد‭ ‬الرحيلي‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مشكلا‭ ‬كبيرا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬حوكمة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬وضياع‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭ ‬وغيرها‭ ‬مشيرا‭ ‬ايضا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬يعانيه‭ ‬المواطن‭ ‬التونسي‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬تكرر‭ ‬الانقطاعات‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشرب‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬لفشل‭ ‬السياسات‭ ‬المائية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬عاما،‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬غيبت‭ ‬المواطن‭ ‬واقصته‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الفعل‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬التصورات‭ ‬والسياسات‭ ‬الكبرى‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬وخاصة‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬محور‭ ‬العملية‭ ‬التنموية‭.‬

وتظهر‭ ‬المسألة‭ ‬المائية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭  ‬فشل‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬استباقية‭ ‬وطموحة‭ ‬لإدارة‭ ‬أزمة‭ ‬المياه‭  ‬حيث‭ ‬تعيش‭  ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬صيفا‭ ‬هو‭  ‬الأكثر‭ ‬شراسة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بسبب‭ ‬الوضعيّة‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭ ‬نتيجة‭ ‬تراجع‭ ‬منسوب‭ ‬السدود‭ ‬والنقص‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬المياه‭. ‬وهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬ليست‭ ‬بالجديدة‭ ‬بل‭ ‬هي‭  ‬نتيجة‭ ‬تراكمات‭ ‬لسنوات‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التصرف‭ ‬وغياب‭ ‬الرؤى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شانها‭ ‬أن‭ ‬تجنب‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬كارثة‭ ‬معيشية‭ ‬بامتياز‭  ‬باتت‭ ‬تهدد‭  ‬الزراعات‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الوطني‭ ‬وتحرم‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬الصالحة‭ ‬للشراب‭ ‬الذي‭ ‬يكفله‭ ‬له‭ ‬الدستور‭ ‬التونسي‭.‬

ويؤكد‭ ‬حسين‭ ‬الرحيلي‭ ‬في‭ ‬تصريحاته‭ ‬،أن‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الماء‭ ‬هي‭ ‬سياسات‭ ‬غير‭ ‬موفّقة‭ ‬تستنزف‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭. ‬معتبرا‭ ‬بأن‭  ‬إشكال‭  ‬الماء‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬هيكلي‭ ‬وليس‭ ‬ظرفيا،‭ ‬داعيا‭  ‬أولا‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬برمتها‭ ‬منذ‭ ‬الستينات‭ ‬الى‭ ‬اليوم،‭ ‬والتي‭ ‬بينت‭ ‬انها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ندرة‭ ‬المياه‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬العائلي‭ ‬والاقتصادي‭  ‬والى‭ ‬ضرورة‭  ‬فتح‭ ‬حوار‭ ‬وطني‭ ‬شامل‭ ‬حول‭ ‬الماء‭ ‬يشارك‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬المعنيين‭ ‬بالمياه‭ ‬من‭ ‬فلّاحين‭ ‬وعمّال‭ ‬ومنظمات‭ ‬وطنية‭ ‬لتجاوز‭ ‬المفهوم‭ ‬الجغرافي‭ ‬للملك‭ ‬العمومي‭ ‬للمياه‭ ‬ووضع‭ ‬بروتوكول‭ ‬لتنظيم‭ ‬التصرّف‭ ‬في‭ ‬الماء‭. ‬مع‭  ‬ضرورة‭ ‬إلزام‭ ‬شركة‭ ‬فسفاط‭ ‬قفصة‭ ‬والشركات‭ ‬النفطية‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬استعمال‭ ‬المياه‭ ‬المعدة‭ ‬للشرب‭ ‬في‭ ‬نشاطها‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬رقمنة‭ ‬كل‭ ‬الشبكات‭ ‬المائية‭ ‬وفتح‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬اللزمات‭ ‬المسندة‭ ‬لشركات‭ ‬المياه‭ ‬المعلبة‭ ‬بالبلاد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تحت‭  ‬شعار‭ ‬افلنتّحد‭ ‬لنغيّر‭ ‬مجرى‭ ‬الأحداثب حملة‭ ‬توعويّة‭ ‬للحدّ‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬الغرق

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬نورة‭ ‬العثماني بدعم‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الياباني‭ ‬وبهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬حواد…