خضعت لتعديلات متكرّرة متى ايُفرجب عن مجلّة المياه الجديدة؟
الصحافة اليوم: نورة العثماني
في ظل تغيرات مناخية متلاحقة باتت تهدد مختلف منظومات الإنتاج و بالتالي مستوى عيش المواطن التونسي خاصة من حيث الحق في النفاذ إلى المياه الصالحة للشرب ما يزال القانون المنظم لاستغلال وحماية الموارد المائية و المتمثل في مجلة المياه المعمول بها حاليا على وضعه إذ لم يعرف تغييرا يذكر منذ إصداره بمقتضى القانون عدد 16 لسنة 1975 المؤرخ في 31 مارس 1975. فقد ظلّت قضية المياه مهملة في سياسات الدولة إلى أن تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أزمة كبيرة يعاني منها على حد سواء المواطن والفلاح وذلك نتيجة الانقطاعات المتكررة للمياه وحرمان الآلاف من المواطنين من هذا الحق الطبيعي والانساني والدستوري علاوة على ندرتها ما أثر على القطاع الفلاحي بمختلف منظوماته.
فهذه المجلة لم تخضع سوى لتعديلات طفيفة في سنوات 1987 و1988 و2001، قبل أن تنطلق أولى الخطوات لإعداد مشروع مجلة مياه جديدة سنة 2009 لكن تلك النسخة التي انتظرت خمس سنوات لترى النور، أثارت موجة استنكار واسعة إثر عرضها على استشارة موسعة في ماي 2015 ضمّت ممثلين عن المجتمع المدني من ذوي الاختصاص. حيث اعتبر هؤلاء أن مشروع مجلة المياه لم يكن في مستوى تطلعات المختصين في هذا المجال، إضافة إلى عدم توافقه مع متطلبات التّصرف المستدام في الثروة المائية.
وتعود اليوم المسألة المائية إلى واجهة الاحداث لاسيما بعد الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشراب التي شهدتها عدة مناطق من الجمهورية خلال هذه الصائفة وعادت الانظار من جديد الى مجلة المياه الجديدة التي خضعت الى تعديلات متكررة لكن النسخة النهائية منها المعلن عنها سابقا مازالت قيد الاطلاع و لم تصل بعد الى المصادقة عليها من قبل مجلس نواب الشعب فبعد سلسلة ماراطونية من الاجتماعات والمشاورات مع الجهات المعنية، افضت فقط إلى عرض المشروع على مجلس وزاري مضيّق بتاريخ 25 فيفري 2025.
وتهدف التعديلات الواردة في مشروع المجلة إلى تعزيز حوكمة الملك العمومي للمياه وترسيخ آليات التصرف المندمج والمستدام، إلى جانب تعزيز القدرة على التأقلم مع التغيرات المناخية وحماية الموارد المائية وتثمينها وقد شملت هذه التعديلات عدة محاور من بينها إحداث هياكل متخصصة على المستويات القطاعية والوطنية والجهوية لضمان إدارة فعالة للموارد المائية والتنصيص على الحق في الماء الصالح للشرب وفقًا لمقتضيات الدستور، وتثبيت الملك العمومي للمياه وحمايته من أي استغلال غير مشروع وضبط آليات التعامل مع فترات الجفاف والوفرة المائية لضمان توزيع عادل ومستدام.
وشملت التعديلات أيضا حوكمة المجامع المائية وتعزيز الرقابة على أدائها وإحداث نظام معلوماتي وطني لمتابعة الملك العمومي للمياه وضمان نجاعة التصرف فيه وتشجيع استعمال المياه غير التقليدية، بما في ذلك إعادة شحن الموائد المائية لمجابهة شح الموارد الطبيعية مع الإشارة إلى أن مجلة المياه تتضمن سبعة عناوين رئيسية تهدف إلى إرساء إطار قانوني متكامل يواكب التحديات الراهنة في مجال إدارة الموارد المائية.
وفي متابعة لهذه المسألة جدّد الخبير في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي في تصريح لـ االصحافة اليومب الدعوة إلى ضرورة اعتماد مقاربات جديدة وضبط التحديات المستقبلية للمياه في تونس مبينا بأن الأوان قد حان لإصدار مجلة المياه الجديدة وتضمين جميع التحديات المستقبلية بها، وأكد الرحيلي بأن هناك مشكلا كبيرا على مستوى حوكمة الموارد المائية وضياع مياه الشرب وغيرها مشيرا ايضا إلى أن ما أصبح يعانيه المواطن التونسي منذ فترة من الحرمان من الماء وخاصة مع تكرر الانقطاعات في الماء الصالح للشرب هو نتيجة حتمية لفشل السياسات المائية لأكثر من 60 عاما، هذه السياسات التي غيبت المواطن واقصته من دائرة الفعل والمشاركة في رسم التصورات والسياسات الكبرى المرتبطة بالثروات الطبيعية وخاصة الموارد المائية التي تمثل محور العملية التنموية.
وتظهر المسألة المائية مرة أخرى فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطط استباقية وطموحة لإدارة أزمة المياه حيث تعيش تونس خلال هذه الفترة صيفا هو الأكثر شراسة على الإطلاق بسبب الوضعيّة الصعبة التي تمر بها البلاد نتيجة تراجع منسوب السدود والنقص الحاد في المياه. وهذه الأزمة ليست بالجديدة بل هي نتيجة تراكمات لسنوات من سوء التصرف وغياب الرؤى الاستراتيجية التي كان من شانها أن تجنب البلاد والعباد كارثة معيشية بامتياز باتت تهدد الزراعات والأمن الغذائي الوطني وتحرم المواطن من حقه في الحصول على المياه الصالحة للشراب الذي يكفله له الدستور التونسي.
ويؤكد حسين الرحيلي في تصريحاته ،أن السياسات التي اعتمدتها تونس في مجال الماء هي سياسات غير موفّقة تستنزف الموارد المائية. معتبرا بأن إشكال الماء في بلادنا هيكلي وليس ظرفيا، داعيا أولا إعادة النظر في السياسات العمومية برمتها منذ الستينات الى اليوم، والتي بينت انها غير قابلة للتكيف مع التغيرات المناخية في ظل ندرة المياه وارتفاع الطلب العائلي والاقتصادي والى ضرورة فتح حوار وطني شامل حول الماء يشارك فيه كل المعنيين بالمياه من فلّاحين وعمّال ومنظمات وطنية لتجاوز المفهوم الجغرافي للملك العمومي للمياه ووضع بروتوكول لتنظيم التصرّف في الماء. مع ضرورة إلزام شركة فسفاط قفصة والشركات النفطية بالتخلي عن استعمال المياه المعدة للشرب في نشاطها والشروع في رقمنة كل الشبكات المائية وفتح تحقيق في عقود اللزمات المسندة لشركات المياه المعلبة بالبلاد.
تحت شعار افلنتّحد لنغيّر مجرى الأحداثب حملة توعويّة للحدّ من حوادث الغرق
الصحافة اليوم: نورة العثماني بدعم من الشعب الياباني وبهدف الحد من حواد…
