تونس توفي بتعهداتها إزاء الدوائر المالية ديون تونس نافذة نحو مزيد الإستثمار
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
هناك فرق كبير بين أن تكون دولة قادرة على الاقتراض، وأن تكون دولة قادرة على الاستغناء عنه. والفرق أكبر بين أن تسدد ديونها في آجالها، وبين أن تتحرر من الحاجة الدائمة إلى دين جديد يسدد ما سبقه أو يموّل ما يليه. وهذا هو السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بعد إعلان البنك المركزي التونسي تسديد القرض الرقاعي الدولي بقيمة 700 مليون يورو في موعده، وبعد مصادقة مجلس نواب الشعب على قرض جديد بقيمة 500 مليون دولار من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد.
فالخبران، على أهميتهما، يقدّمان صورتين مختلفتين للواقع نفسه. الصورة الأولى تقول إن تونس تحافظ على مصداقيتها المالية وتحترم التزاماتها الدولية، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لأي دولة تريد أن تبقى محل ثقة المؤسسات المالية والأسواق الدولية. أما الصورة الثانية فتقول إن الدولة، في الوقت ذاته، ما تزال تحتاج إلى الاقتراض لتعبئة موارد ميزانيتها وتمويل جزء من نفقاتها واستثماراتها. وبين الصورتين تكمن المعضلة التي ينبغي أن تكون محل نقاش اقتصادي حقيقي.
لقد أحسن البنك المركزي حين أكد أن تونس أوفت بالتزاماتها الخارجية في آجالها، وأن احتياطي العملة الأجنبية بقي في مستوى يسمح بتغطية اثنين وتسعين يوما من التوريد حتى بعد سداد القرض. فالسمعة المالية ليست تفصيلا ثانويا في الاقتصاد الحديث، بل هي رأس مال غير مادي يحدد قدرة الدولة على الوصول إلى التمويلات الخارجية، وشروط الاقتراض، وكلفة الفائدة، وثقة المستثمرين.
فالدول، مثل الأفراد، تُبنى سمعتها عبر الوفاء بالتزاماتها. وعندما تتأخر دولة عن السداد أو تدخل في حالة تعثر، فإنها لا تخسر أموالا فقط، بل تخسر ثقة قد تحتاج سنوات طويلة لاستعادتها. ولذلك فإن إصرار تونس على احترام آجال السداد، رغم الصعوبات الاقتصادية والمالية، يبعث برسالة واضحة إلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الدولة التونسية شريك موثوق، وأن ديونها تبقى ضمن دائرة الالتزام.
لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى أكثر عمقا. فالمصداقية المالية ليست هدفا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى اقتصاد قوي لا يحتاج باستمرار إلى الاستدانة. لأن الدولة التي تقترض اليوم لتسدد غدا، ثم تقترض بعد الغد لتسدد ما اقترضته اليوم، تبقى تدور في حلقة يصعب كسرها مهما كانت درجة انضباطها في السداد.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرح بهدوء، لا بروح التشكيك ولا بروح التهوين: متى يصبح الاقتراض استثناء لا قاعدة؟ ومتى تصبح الميزانية التونسية قادرة على تمويل نفسها من مواردها الذاتية؟
فالاقتراض ليس شرّا في ذاته. بل إن أكبر الاقتصادات في العالم تعتمد عليه لتمويل مشاريعها الكبرى. غير أن معيار النجاح لا يكمن في حجم الدين، وإنما في قدرة الاقتصاد على تحويله إلى قيمة مضافة. فإذا موّل القرض طريقا سريعا يختصر كلفة النقل، أو محطة للطاقة تقلص واردات الغاز، أو منطقة صناعية تجذب المستثمرين، فإنه يتحول من عبء إلى استثمار. أما إذا استهلك في نفقات لا تدرّ عائدا اقتصاديا، فإنه يتحول إلى عبء تتوارثه الأجيال.
ولهذا فإن مستقبل السياسة المالية التونسية لا يتوقف على مهارة التفاوض مع المقرضين فحسب، بل على قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة. فالمشكلة ليست في كيفية الحصول على القرض، بل في كيفية التخلص من الحاجة إليه.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر إصلاحات هيكلية تعيد بناء مصادر التمويل الذاتي. أولها رفع نسق النمو الاقتصادي، لأن الاقتصاد الراكد لا يستطيع تمويل ميزانيته مهما ارتفعت الضرائب أو توسعت القروض. وثانيها تقليص العجز الطاقي الذي يستنزف سنويا مليارات الدنانير من العملة الصعبة، وهو ما أشار إليه البنك المركزي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية للحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي. وثالثها تحسين مناخ الاستثمار حتى يصبح القطاع الخاص شريكا حقيقيا في خلق الثروة، لا مجرد متلقّ للإجراءات.
كما أن إصلاح المنظومة الجبائية ومقاومة التهرب الضريبي يظلاّن من أكبر مصادر التمويل الممكنة. فكل دينار تسترجعه الدولة من الاقتصاد الموازي أو من التهرب الجبائي هو دينار يقلل الحاجة إلى الاقتراض. وكذلك الأمر بالنسبة لتطوير الصادرات، ورفع القيمة المضافة للصناعة، وتحسين مردودية المؤسسات العمومية، وجذب الاستثمارات الأجنبية المنتجة.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح مخطط التنمية 2026-2030 سيكون المعيار الحقيقي للحكم على جدوى هذه القروض. فإذا تمكنت المشاريع المبرمجة من خلق اقتصاد أكثر إنتاجية، فإنها ستوسع القاعدة الضريبية، وترفع الإيرادات، وتقلص الحاجة إلى التمويل الخارجي. أما إذا بقي النمو ضعيفا، فإن القروض ستظل تتوالد كما تتوالد آجال سدادها.
حين تتحوّل العضوية إلى نفوذ رقمي: تونس تكتب موقعها في إفريقيا الجديدة
الصحافة اليوم: عادل البرينصي لا تقاس أهمية بعض الأخبار بما تتضمنه من …
