2026-08-05

تونس‭ ‬توفي‭ ‬بتعهداتها‭ ‬إزاء‭ ‬الدوائر‭ ‬المالية‭ ‬ ديون‭ ‬تونس‭ ‬نافذة‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬الإستثمار‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي

هناك‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬دولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه‭. ‬والفرق‭ ‬أكبر‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تسدد‭ ‬ديونها‭ ‬في‭ ‬آجالها،‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬تتحرر‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬جديد‭ ‬يسدد‭ ‬ما‭ ‬سبقه‭ ‬أو‭ ‬يموّل‭ ‬ما‭ ‬يليه‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬التونسي‭ ‬تسديد‭ ‬القرض‭ ‬الرقاعي‭ ‬الدولي‭ ‬بقيمة‭ ‬700‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬في‭ ‬موعده،‭ ‬وبعد‭ ‬مصادقة‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬جديد‭ ‬بقيمة‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬البنك‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتصدير‭ ‬والاستيراد‭.‬

فالخبران،‭ ‬على‭ ‬أهميتهما،‭ ‬يقدّمان‭ ‬صورتين‭ ‬مختلفتين‭ ‬للواقع‭ ‬نفسه‭. ‬الصورة‭ ‬الأولى‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬تونس‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مصداقيتها‭ ‬المالية‭ ‬وتحترم‭ ‬التزاماتها‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬محل‭ ‬ثقة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬أما‭ ‬الصورة‭ ‬الثانية‭ ‬فتقول‭ ‬إن‭ ‬الدولة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬لتعبئة‭ ‬موارد‭ ‬ميزانيتها‭ ‬وتمويل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نفقاتها‭ ‬واستثماراتها‭. ‬وبين‭ ‬الصورتين‭ ‬تكمن‭ ‬المعضلة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محل‭ ‬نقاش‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭.‬

لقد‭ ‬أحسن‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬أوفت‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬آجالها،‭ ‬وأن‭ ‬احتياطي‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬يسمح‭ ‬بتغطية‭ ‬اثنين‭ ‬وتسعين‭ ‬يوما‭ ‬من‭ ‬التوريد‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬سداد‭ ‬القرض‭. ‬فالسمعة‭ ‬المالية‭ ‬ليست‭ ‬تفصيلا‭ ‬ثانويا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬غير‭ ‬مادي‭ ‬يحدد‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التمويلات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وشروط‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وكلفة‭ ‬الفائدة،‭ ‬وثقة‭ ‬المستثمرين‭.‬

فالدول،‭ ‬مثل‭ ‬الأفراد،‭ ‬تُبنى‭ ‬سمعتها‭ ‬عبر‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭. ‬وعندما‭ ‬تتأخر‭ ‬دولة‭ ‬عن‭ ‬السداد‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تعثر،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تخسر‭ ‬أموالا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تخسر‭ ‬ثقة‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬لاستعادتها‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬إصرار‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬آجال‭ ‬السداد،‭ ‬رغم‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬يبعث‭ ‬برسالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬شريك‭ ‬موثوق،‭ ‬وأن‭ ‬ديونها‭ ‬تبقى‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬الالتزام‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬على‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تحجب‭ ‬حقيقة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬عمقا‭. ‬فالمصداقية‭ ‬المالية‭ ‬ليست‭ ‬هدفا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬وإنما‭ ‬وسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬قوي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬الاستدانة‭. ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تقترض‭ ‬اليوم‭ ‬لتسدد‭ ‬غدا،‭ ‬ثم‭ ‬تقترض‭ ‬بعد‭ ‬الغد‭ ‬لتسدد‭ ‬ما‭ ‬اقترضته‭ ‬اليوم،‭ ‬تبقى‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬يصعب‭ ‬كسرها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬درجة‭ ‬انضباطها‭ ‬في‭ ‬السداد‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬بهدوء،‭ ‬لا‭ ‬بروح‭ ‬التشكيك‭ ‬ولا‭ ‬بروح‭ ‬التهوين‭: ‬متى‭ ‬يصبح‭ ‬الاقتراض‭ ‬استثناء‭ ‬لا‭ ‬قاعدة؟‭ ‬ومتى‭ ‬تصبح‭ ‬الميزانية‭ ‬التونسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬مواردها‭ ‬الذاتية؟

فالاقتراض‭ ‬ليس‭ ‬شرّا‭ ‬في‭ ‬ذاته‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أكبر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريعها‭ ‬الكبرى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬معيار‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الدين،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭. ‬فإذا‭ ‬موّل‭ ‬القرض‭ ‬طريقا‭ ‬سريعا‭ ‬يختصر‭ ‬كلفة‭ ‬النقل،‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬للطاقة‭ ‬تقلص‭ ‬واردات‭ ‬الغاز،‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬صناعية‭ ‬تجذب‭ ‬المستثمرين،‭ ‬فإنه‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬استهلك‭ ‬في‭ ‬نفقات‭ ‬لا‭ ‬تدرّ‭ ‬عائدا‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬فإنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬تتوارثه‭ ‬الأجيال‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬التونسية‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مهارة‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬المقرضين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الثروة‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬القرض،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬إليه‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬تعيد‭ ‬بناء‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭. ‬أولها‭ ‬رفع‭ ‬نسق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الراكد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تمويل‭ ‬ميزانيته‭ ‬مهما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الضرائب‭ ‬أو‭ ‬توسعت‭ ‬القروض‭. ‬وثانيها‭ ‬تقليص‭ ‬العجز‭ ‬الطاقي‭ ‬الذي‭ ‬يستنزف‭ ‬سنويا‭ ‬مليارات‭ ‬الدنانير‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الأساسية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬احتياطي‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭. ‬وثالثها‭ ‬تحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬شريكا‭ ‬حقيقيا‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬الثروة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلقّ‭ ‬للإجراءات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬الجبائية‭ ‬ومقاومة‭ ‬التهرب‭ ‬الضريبي‭ ‬يظلاّن‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬الممكنة‭. ‬فكل‭ ‬دينار‭ ‬تسترجعه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬التهرب‭ ‬الجبائي‭ ‬هو‭ ‬دينار‭ ‬يقلل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭. ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬لتطوير‭ ‬الصادرات،‭ ‬ورفع‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬للصناعة،‭ ‬وتحسين‭ ‬مردودية‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المنتجة‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2026-2030‭ ‬سيكون‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬جدوى‭ ‬هذه‭ ‬القروض‭. ‬فإذا‭ ‬تمكنت‭ ‬المشاريع‭ ‬المبرمجة‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجية،‭ ‬فإنها‭ ‬ستوسع‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية،‭ ‬وترفع‭ ‬الإيرادات،‭ ‬وتقلص‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬النمو‭ ‬ضعيفا،‭ ‬فإن‭ ‬القروض‭ ‬ستظل‭ ‬تتوالد‭ ‬كما‭ ‬تتوالد‭ ‬آجال‭ ‬سدادها‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حين‭ ‬تتحوّل‭ ‬العضوية‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬رقمي‭:‬ ‭ ‬تونس‭ ‬تكتب‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الجديدة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي لا‭ ‬تقاس‭ ‬أهمية‭ ‬بعض‭ ‬الأخبار‭ ‬بما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ …