2026-08-08

المياه المعدنية في تونس: قطاع يتوسع واستهلاك قياسي يختبر قدرة السوق على الصمود

الصحافة اليوم: مديحة معمري
لم يعد العثور على قوارير المياه المعدنية في بعض نقاط البيع بالأمر السهل خلال الأيام الأخيرة. ففي ذروة صيف استثنائي ارتفع الطلب إلى مستويات غير مسبوقة لتعود إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مدى قدرة هذا القطاع على مجاراة الاستهلاك وحول جاهزية سلاسل التزويد لمواجهة الأزمات المناخية والاضطرابات الدولية. وإذا كانت الجهات الرسمية لم تصدر إلى حد الآن تفسيرًا مباشرًا للنقص المسجل في السوق فإن المؤشرات المتوفرة تكشف أن قطاع المياه المعلبة يقف اليوم عند تقاطع ثلاثة تحديات كبرى هي تغير المناخ وضغط الطلب المحلي وهشاشة سلاسل التوريد العالمية.
وتؤكد المعطيات الرسمية للديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه أن القطاع عرف خلال السنوات الأخيرة نموًا متواصلاً إذ بلغ إنتاج المياه المعلبة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 نحو 2.1 مليار لتر فيما تعمل 31 وحدة تعليب بطاقة إنتاجية تناهز 500 ألف قارورة في الساعة. كما يشدد الديوان على أن نشاط تعليب المياه لا يستهلك سوى 0.19 بالمائة من الموارد المائية الوطنية وأن استغلال المنابع يخضع لضوابط فنية وقانونية دقيقة. غير أن هذه الأرقام رغم أهميتها لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يثار دائما لماذا تظهر بوادر نقص كلما ارتفعت درجات الحرارة. وهنا تقدم التجربة السابقة جزءًا من الجواب ففي أزمة سنة 2022 اعتبرت السلطات أن السبب الرئيسي كان الارتفاع المفاجئ في الطلب خلال موجات الحر وتعهدت آنذاك بإعداد خطة لتفادي تكرار السيناريو. لكن ما يحدث اليوم يوحي بأن الطلب الموسمي لم يعد حدثًا استثنائيًا بل أصبح واقعًا متكررًا تفرضه التحولات المناخية التي تجعل فصول الصيف أطول وأكثر حرارة. ولعل ما يزيد الصورة تعقيدًا أن صناعة المياه المعلبة لم تعد تعتمد فقط على المنبع المائي بل أصبحت جزءًا من سلسلة صناعية عالمية. فالقارورة البلاستيكية والغطاء ومواد التغليف والنقل البحري كلها حلقات قد تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية واللوجستية. ورغم عدم وجود أي تصريح رسمي يربط النقص الحالي باضطراب توريد المواد الأولية فإن الأحداث الدولية الأخيرة تؤكد أن أمن التزود لم يعد مرتبطًا بالإنتاج المحلي وحده بل أيضًا بسلامة سلاسل الإمداد العالمية.
ضغوط متزايدة على المنظومة المائية
وفي المقابل تشهد تونس ضغوطًا متزايدة على منظومتها المائية فقد تكررت خلال الأسابيع الأخيرة الانقطاعات والاضطرابات في توزيع مياه الشرب بعدة مناطق كما تكثفت التحركـــات الرسمية لتأمين التزود بالمــاء خلال الصيف وهو ما تجسد في زيارات ميدانية ومتابعة مباشرة للبنية التحتية المائية.
هذا الواقع يطرح سؤالًا اقتصاديًا أوسع وهو هل يكفي رفع طاقة الإنتاج وحده أم أن المطلوب هو بناء منظومة أكثر مرونة تقوم على مخزونات احتياطية من مستلزمات الإنتاج وتحسين إدارة المخزون التجاري ورقمنة توزيع المياه المعلبة وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع لمنع التخزين والمضاربة إذا ظهرت بوادر اضطراب في السوق؟
ويبدو أن السلطات بدأت تدرك أهمية هذا البعد الاستراتيجي إذ أعلن الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه عن إعداد المخطط المديري للمياه المعلبة إلى أفق سنة 2050 في إقرار ضمني بأن القطاع أصبح جزءًا من منظومة الأمن المائي والغذائي ولم يعد مجرد نشاط صناعي أو تجاري.
ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى سياسة استباقية تقوم على توقع فترات الذروة وتأمين مخزون كاف من مستلزمات الإنتاج ومراقبة السوق بصفة يومية حتى لا يتحول النقص الظرفي إلى أزمة ثقة أو إلى فرصة للمضاربة والاحتكار خاصة في مادة أصبحت بالنسبة إلى ملايين التونسيين سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في أشهر الصيف.

‫شاهد أيضًا‬

موجة‭ ‬الحر‭ ‬ترفع‭ ‬كلفة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭: ‬ من‭ ‬فاتورة‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مديحة‭ ‬معمري‭ ‬ لم‭ ‬تعد‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرد‭ ‬ظاهرة‭ ‬…