تعاون تونسي ياباني في القطاع الصحي حين تطرق الدبلوماسية أبواب المستشفى
الصحافة اليوم:عادل البرينصي
ليست كل الدبلوماسية تُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع أو البيانات التي تُنشر عقب اللقاءات الرسمية. هناك دبلوماسية أكثر عمقًا وأبعد أثرًا، تبدأ من غرفة العمليات، وتمر عبر أقسام الاستعجالي والتصوير الطبي، وتنتهي عند سرير المريض. وحين يزور سفير اليابان في تونس عددا من أكبر المستشفيات الجامعية التونسية، فإن الأمر يتجاوز المجاملة البروتوكولية إلى رسالة سياسية وتنموية مفادها أن الصحة أصبحت أحد أهم ميادين الشراكة الدولية وأكثرها تأثيرًا في حياة الشعوب.
فالزيارة التي شملت المستشفيات الجامعية المنجي سليم بالمرسى، والرابطة، وشارل نيكول، وما رافقها من نقاش حول التكوين وتبادل الخبرات والتجهيزات الطبية، تندرج ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها تونس إلى فتح مختلف أبواب التعاون الخارجي من أجل إعادة بناء منظومتها الصحية، التي تواجه منذ سنوات تحديات متراكمة تتعلق بنقص التجهيزات، وهجرة الكفاءات الطبية، والضغط المتزايد على المستشفيات العمومية، وارتفاع كلفة الخدمات الصحية.
ولعلّ الرسالة الأهم التي تحملها هذه الزيارة هي أن إصلاح القطاع الصحي لم يعد شأنا داخليا صرفا، بل أصبح رهانا وطنيا يستوجب تعبئة كل الإمكانيات، الوطنية منها والدولية، لأن صحة المواطن لم تعد مجرد خدمة اجتماعية، وإنما أصبحت عنصرا أساسيا من عناصر الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في تطوير منظوماتها الصحية لم تعتمد فقط على الموارد الذاتية، وإنما أحسنت استثمار علاقاتها الدولية، وجعلت من التعاون العلمي والتكنولوجي رافعة لتحديث مؤسساتها الصحية. واليابان تمثل اليوم واحدة من أكثر الدول تقدما في مجالات الطب والهندسة الطبية والجراحة الدقيقة والروبوتات الطبية والذكاء الاصطناعي الصحي، وهو ما يجعل أي تعاون معها مكسبا استراتيجيا أكثر منه مجرد تعاون تقني.
وتونس، من جهتها، لا تبدأ من الصفر. فهي تمتلك رصيدا طبيا محترما وكفاءات علمية مشهود لها إقليميا ودوليا، كما تضم مستشفيات جامعية راكمت خبرات طويلة في اختصاصات دقيقة مثل جراحة القلب وأمراض القلب وجراحة العظام والجراحة العامة وطب الأطفال وغيرها. لكن المحافظة على هذا الرصيد وتطويره يقتضي تحديث التجهيزات باستمرار، وتمكين الإطارات الطبية من أحدث التقنيات، وربط المؤسسات الصحية بشبكات البحث العلمي العالمية.
ومن هنا تكتسب زيارة السفير الياباني أهميتها. فهي ليست مجرد اطلاع على أقسام الاستعجالي أو التصوير الطبي أو الجراحة الروبوتية، وإنما هي معاينة مباشرة للإمكانات الموجودة، وللنقائص التي يمكن أن تشكل مجالا للتعاون المستقبلي. فالشراكات الناجحة لا تُبنى على التقارير المكتبية، وإنما على معرفة دقيقة بالاحتياجات الحقيقية للمؤسسات الصحية.
ويبدو واضحا أن السياسة الصحية التونسية خلال الفترة الأخيرة تتجه نحو تنويع الشركاء الدوليين، وعدم الاكتفاء بالأشكال التقليدية للتعاون، بل البحث عن شراكات تقوم على نقل التكنولوجيا، وتكوين الإطارات، وتبادل الخبرات، وجلب التجهيزات الحديثة، والاستفادة من التجارب الناجحة في إدارة المستشفيات ورقمنة الخدمات الصحية.
ولا يمكن الحديث عن تطوير القطاع الصحي دون الإشارة إلى أهمية الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى لا تصنعه الجدران ولا الأجهزة وحدها، وإنما يصنعه الطبيب والممرض والإطار شبه الطبي والباحث والإداري. ولذلك فإن أي تعاون مع اليابان أو غيرها يجب أن يركز على برامج التكوين المستمر، والبعثات العلمية، والتدريب داخل المؤسسات الطبية المتقدمة، لأن نقل المعرفة يبقى أكثر استدامة من نقل المعدات.
كما أن إدخال التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الجراحة الروبوتية والذكاء الاصطناعي والتطبيب عن بعد، لم يعد ترفا علميا، بل أصبح ضرورة عملية تفرضها التحولات المتسارعة في الطب العالمي. وقد بدأت تونس بالفعل تخطو خطوات مهمة في هذا المجال، غير أن تعميم هذه التجارب يحتاج إلى استثمارات وشراكات وتمويل وخبرات دولية.
ومن زاوية اقتصادية، فإن تحسين المنظومة الصحية لا ينعكس فقط على جودة العلاج، وإنما يساهم أيضا في تحسين الإنتاجية الوطنية، وتقليص كلفة الأمراض، وجذب الاستثمار، بل وحتى تطوير السياحة العلاجية التي تمتلك تونس فيها إمكانيات كبيرة بفضل كفاءاتها الطبية وموقعها الجغرافي وتكاليفها التنافسية مقارنة بعديد الدول.
كما أن تعزيز التعاون مع اليابان يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات الصناعية التونسية العاملة في المجال الطبي، سواء في تصنيع بعض المستلزمات الطبية أو في نقل التكنولوجيا أو في إقامة مشاريع استثمارية مشتركة، وهو ما يحوّل القطاع الصحي من قطاع مستهلك للموارد إلى قطاع منتج للقيمة المضافة.
لكن نجاح هذه الرؤية يظل مرتبطا بقدرة الدولة على توفير بيئة مؤسساتية مستقرة، وتحسين حوكمة المستشفيات، وتبسيط الإجراءات، وضمان حسن استغلال التجهيزات، والمحافظة عليها، لأن التجارب أثبتت أن كثيرا من الهبات والتجهيزات المتطورة فقدت نجاعتها بسبب ضعف الصيانة أو سوء التصرف أو غياب الموارد البشرية المؤهلة.
وفي المقابل، فإن الشراكات الدولية يجب أن تُبنى على مبدإ التكامل لا التبعية. فتونس لا تبحث عن حلول جاهزة بقدر ما تبحث عن شراكات تحترم كفاءاتها وتساعدها على تطوير منظومتها الصحية وفق أولوياتها الوطنية. وهذا ما يجعل التعاون مع اليابان، بما تمتلكه من خبرة واحترام للشراكات طويلة المدى، فرصة يمكن البناء عليها لتأسيس نموذج تعاون يقوم على تبادل المنافع ونقل المعرفة.
إن مستقبل الصحة العمومية في تونس لن يصنعه قرار إداري واحد، ولا هبة معزولة، ولا زيارة دبلوماسية عابرة، وإنما سيصنعه تراكم مثل هذه المبادرات التي تفتح أبواب التعاون العلمي والتكنولوجي والاستثماري، وتضع مصلحة المريض في قلب كل السياسات.
حين يصبح الإعلام سؤالًا عن المجتمع قراءة في كتاب «الإعلام وقضايا الاندماج والتنوع في العالم العربي»
الصحافة اليوم:عادل البرينصي لم يعد السؤال الذي يواجه الإعلام العربي اليوم هو كيف ينقل الخب…
