2026-08-08

نحو إرساء منظومة وطنية موحّدة لتقييم برامج التشغيل.. الحكومة تراهن على الحوكمة وقياس النتائج

الصحافة اليوم: عواطف السويدي
يتّجه ملف التشغيل في تونس نحو مرحلة جديدة عنوانها تقييم النجاعة قبل إطلاق برامج جديدة، وذلك في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة وتغير احتياجات سوق الشغل محليا ودوليا. ويبدو أن وزارة التشغيل والتكوين المهني تراهن اليوم على مراجعة آليات العمل من خلال إرساء منظومة وطنية موحدة لمتابعة وتقييم برامج التشغيل، بهدف الانتقال من منطق تنفيذ البرامج إلى منطق قياس أثرها الفعلي على إدماج الباحثين عن شغل وتحسين فرصهم في سوق العمل.
رغم تعدّد برامج التشغيل التي أطلقتها تونس على امتداد السنوات الماضية، ما تزال البطالة تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في صفوف الشباب وخريجي التعليم العالي. وبينما تم توجيه اعتمادات مالية هامة لتمويل آليات الإدماج والتكوين والمرافقة، ظل السؤال الأبرز مطروحا حول تحقيق النتائج المرجوة.
وتكشف آخر معطيات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة البطالة استقرت في حدود 15 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، أي ما يعادل نحو 642 الف عاطل عن العمل.
كما تبقى البطالة مرتفعة بشكل لافت في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة، حيث تناهز 37.5 بالمائة، في حين تبلغ لدى حاملي الشهادات العليا حوالي 24.5 بالمائة، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين مخرجات منظومتي التعليم والتكوين وحاجيات سوق الشغل.
ورغم أن الدولة رصدت على امتداد السنوات الماضية اعتمادات هامة لتمويل برامج الإدماج والتأهيل والمرافقة، فإن التقييم الحقيقي لنجاعة هذه الآليات ظل محدودًا، في ظل غياب منظومة وطنية موحّدة تسمح بقياس أثرها الفعلي على التشغيل المستدام. فالمؤشرات المتوفرة تركز غالبًا على عدد المنتفعين أو العقود المبرمة، في حين تبقى المعطيات المتعلقة بنسبة الإدماج الدائم في سوق الشغل أو استمرارية المنتفعين في وظائفهم بعد انتهاء البرامج غير متوفرة بشكل دوري ودقيق.
وفي هذا الإطار، دعا وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد إلى إرساء منظومة وطنية موحّدة وشاملة لمتابعة وتقييم برامج التشغيل، ترتكز على الحوكمة وترسيخ ثقافة التقييم، بما يسمح بتحسين الأداء وتطوير السياسات العمومية في هذا المجال.
وجاء ذلك خلال ورشة عمل نظمتها الوزارة بالشراكة مع البنك الدولي تحت عنوان «لنطور معا منظومة وطنية متكاملة ومتفاعلة لمتابعة وتقييم برامج التشغيل»، بمشاركة ممثلين عن مختلف الوزارات والهياكل العمومية والمنظمات المهنية والاجتماعية، إلى جانب خبراء في مجالات الإحصاء والضمان الاجتماعي والتخطيط الاقتصادي.
يعكس هذا التوجه تحوّلا في فلسفة إدارة ملف التشغيل، فنجاح السياسات العمومية لم يعد يقاس بعدد البرامج أو حجم التمويلات المرصودة، وإنما بمدى قدرتها على إدماج الباحثين عن شغل في وظائف مستقرة، والاستجابة لحاجيات المؤسسات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، تسعى الوزارة إلى تطوير مؤشرات موضوعية تسمح بقياس مردودية مختلف البرامج، ورصد نسب الإدماج والاستمرارية في العمل، وتحديد البرامج الأكثر نجاعة، بما يساعد على إعادة توجيه الموارد نحو المبادرات التي تحقق أفضل النتائج.
وأكد وزير التشغيل أن التحكم في البطالة لم يعد يرتبط فقط بتوفير فرص العمل، بل يتطلب إعداد موارد بشرية تستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
فسوق الشغل يعيش اليوم تغيرات عميقة بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والانتقال الطاقي، وهو ما يفرض مراجعة اختصاصات التكوين المهني وربطها بشكل أوثق بحاجيات المؤسسات والاستثمارات الجديدة.
كما شدد على أن التشغيل يعدّ قطاعا أفقيا وتشاركيا، يستوجب انخراط مختلف الوزارات والمتدخلين الاقتصاديين والاجتماعيين، باعتبار أن خلق مواطن الشغل يرتبط بالاستثمار، والتنمية الجهوية، والتعليم، والتكوين، وتحسين مناخ الأعمال.
خارطة طريق للإصلاح
وتهدف الورشة إلى إعداد خارطة طريق لإرساء منظومة وطنية للمتابعة والتقييم، تقوم على مؤشرات دقيقة لقياس أداء برامج التشغيل الموجهة للباحثين عن عمل والمؤسسات، بما يساهم في تحسين نسب الإدماج في مواطن شغل لائقة.
كما ناقش المشاركون سبل تطوير حوكمة الخدمات المسداة لفائدة الباحثين عن شغل والراغبين في بعث مشاريعهم، عبر اعتماد آليات أكثر مرونة وجودة ونجاعة، مع تحسين التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة.
وشارك في أشغال الورشة ممثلون عن المعهد الوطني للإحصاء، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، والوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل، حيث تم عرض تجارب تتعلق بمتابعة برامج التشغيل وتقييمها وتطوير قواعد البيانات المرتبطة بها.
ورغم أهمية هذا التوجه، يرى مختصون أن نجاح المنظومة الجديدة سيظل رهينا بعدة عوامل، أبرزها توفر قواعد بيانات موحدة، وربط مختلف المؤسسات العمومية بمنظومة معلومات مشتركة، فضلا عن اعتماد مؤشرات علمية قابلة للقياس، ونشر نتائج التقييم بشكل دوري لتعزيز الشفافية.
ويعدّ إرساء منظومة وطنية لتقييم برامج التشغيل خطوة مهمة في مسار إصلاح السياسات العمومية، خاصة إذا تم اعتماد نتائجها في مراجعة البرامج وتوجيه الموارد بكفاءة أكبر.
وسيقاس نجاح هذا المسار في النهاية بقدرته على تحقيق الهدف الأساسي الذي ينتظره التونسيون، وهو خفض البطالة، وتحسين فرص الإدماج المهني، وخلق مواطن شغل لائقة ومستدامة.

‫شاهد أيضًا‬

حماية‭ ‬الثروة‭ ‬الغابية‭ ‬والمحاصيل‭ ‬الزراعية‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية تحدّيات‭ ‬المناخ‭ ‬تفرض‭ ‬مقاربة‭ ‬إستباقية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عواطف‭ ‬السويدي تفرض‭ ‬حرائق‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية‭ ‬والمساحات‭ ‬الغابي…