مسرحية “جاكاراندا” لنزار السعيدي في سهرة الليلة بمهرجان الحمامات: بحث جمالي ودرامي آسر في أعماق الشخصية التونسية
الصحافة اليوم :كمال الشيحاوي
يبدو واضحا أن إدارة مهرجان الحمامات تحرص على ألا تتحول البرمجة إلى سلسلة من السهرات الغنائية فقط، مهما كانت جاذبية النجوم وأهمية الأسماء المستضافة. فالمسرح، الذي صنع جزءا كبيرا من هوية هذا الفضاء منذ ستينيات القرن الماضي، لا يزال يجد مكانه داخل البرمجة، وفاءً لتاريخ طويل مرّت من خلاله أهم التجارب المسرحية التونسية والعربية.ويأتي عرض اجاكارانداب المبرمج مساء اليوم الاربعاء 5 أوت ليؤكد هذا الخيار الثقافي الذي يعيد الاعتبار للخشبة باعتبارها أحد أعمدة المهرجان وذلك بعد عرض “الهاربات” لوفاء الطبوبي في الافتتاح.
لا يقدّم عرض اجاكارنداب حكاية تقليدية بقدر ما يفتح أمام المتفرج فضاءً للتأمل في مصائر البشر وأسئلتهم الوجودية. فالعمل، الذي يجمع بين قوة الصورة المسرحية وكثافة الأداء، ينطلق من تفاصيل يومية بسيطة ليصوغ رؤية إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
في البحث عن الإنسان وسط الخراب
وتقوم المسرحية التي سبق عرضها في تونس وفي عدد من الدول العربية على بناء بصري وشاعري يجعل من الفضاء المسرحي شريكا أساسيا في السرد، حيث تتحول الإضاءة والسينوغرافيا والموسيقى إلى عناصر درامية فاعلة لا تقل أهمية عن الحوار. وهي مقاربة تؤكد ما بلغته التجارب المسرحية التونسية المعاصرة من نضج في التعامل مع لغة العرض بوصفها خطابا متكاملا، لا مجرد نص يُلقى فوق الركح.
وقد أثار العرض، منذ تقديمه الأول، اهتمام النقاد لما يحمله من حساسية جمالية عالية، ولقدرته على الجمع بين الشعرية البصرية والأسئلة الاجتماعية والإنسانية، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة.
ولا يبدو اختيار اجاكارنداب قرارا معزولا، بل يندرج ضمن سياسة اعتمدها مهرجان الحمامات في السنوات الأخيرة، تقوم على إعادة التوازن بين مختلف الفنون، ومنح المسرح مكانته الطبيعية داخل التظاهرة.
فالركح التاريخي للحمامات شهد على امتداد عقود أعمالا أصبحت جزءا من ذاكرة المسرح التونسي، من تجارب الفاضل الجعايبي وفاضل الجزيري، إلى عروض توفيق الجبالي والمنصف السويسي وعز الدين قنون، وصولا إلى الأجيال الجديدة التي واصلت تطوير لغة المسرح التونسي وتجديد أدواته.
ولم يكن المسرح في الحمامات يوما مجرد فقرة ضمن البرنامج، بل كان مناسبة لاكتشاف التجارب الجديدة ومتابعة التحولات الجمالية التي عرفها المشهد المسرحي الوطني، وهو ما جعل جمهور المهرجان يعتاد انتظار العروض المسرحية بنفس الحماس الذي ينتظر به الحفلات الموسيقية.
رسالة ثقافية تتجاوز البرمجة
وتكمن أهمية حضور اجاكارنداب أيضا في الرسالة التي يبعثها المهرجان إلى جمهوره وإلى الوسط الثقافي. ففي زمن أصبحت فيه البرمجة تخضع أحيانا لمنطق الأسماء الأكثر قدرة على استقطاب الجمهور، يظل الإصرار على تخصيص مساحة للمسرح دفاعا عن التنوع الثقافي وعن وظيفة المهرجانات باعتبارها فضاءات للإبداع، لا مجرد منصات للفرجة السريعة. ولعل هذا التوازن هو ما حافظ على خصوصية مهرجان الحمامات، الذي ظل عبر تاريخه ملتقى للفنون المختلفة، ومختبرا للتجارب الجديدة، وفضاءً للحوار بين الموسيقى والمسرح والرقص والسينما. ومع عرض اجاكارنداب، يجدد المهرجان موعده مع أحد أبرز مكونات هويته الثقافية، مؤكدا أن المسرح لا يزال قادرا على اجتذاب الجمهور، وعلى طرح الأسئلة التي تعجز الفنون الأخرى أحيانا عن ملامستها. وبين ظلال شجرة الجاكاراندا التي ترمز في كثير من الثقافات إلى الجمال والتجدد، يجد المسرح التونسي فرصة جديدة ليؤكد حضوره فوق ركح الحمامات، الركح الذي ظل، على امتداد عقود، واحدا من أهم البيوت التي احتضنت أحلامه وأسئلته وتحولاته.
في وداع حسن نصر… كاتبٌ عبر من الواقعي إلى الإنساني دون أن يفقد صوته
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي برحيل حسن نصر، يوم 24 جويلية 2026 عن سن تناهز التاسعة والثمان…
