انطلاق الحكومة في الإعداد لقانون المالية لسنة 2027 من ميزانية التوازنات المالية إلى ميزانية تنفيذ مخطط التنمية
الصحافة اليوم: سناء بن سلامة
انعقد أول أمس مجلس وزاري مضيق، أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري. وقد خصص هذا المجلس للنظر في التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، ليمثل نقطة الانطلاق الفعلية لإعداد أول ميزانية سنوية بعد استكمال إعداد مخطط التنمية 2030-2026.
ووفق هذا المجلس الوزاري فان مشروع قانون المالية لسنة 2027 لن يكون مجرد امتداد لقانون المالية للسنة الحالية، بل يمثل مرحلة جديدة في مسار الانتقال من سياسة استعادة التوازنات المالية إلى سياسة توجيه الموارد العمومية نحو تنفيذ المشاريع والإصلاحات التي تضمنها مخطط التنمية 2030-2026 وهو ما يمنح المشروع المرتقب أهمية خاصة، لاعتباره الحلقة التنفيذية الأولى للخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي رسمتها الدولة للسنوات الخمس المقبلة.
وفي هذا الاتجاه فانه خلافا للسنوات الماضية التي انصب فيها الاهتمام على التحكم في عجز الميزانية وترشيد النفقات وضمان استمرارية المرفق العمومي والوفاء بالتعهدات الاجتماعية، من المنتظر أن يكون قانون المالية الجديد أكثر ارتباطا بتمويل الاستثمار العمومي وتحقيق النمو الاقتصادي. ذلك ان الحكومة أظهرت توجها نحو الحفاظ على خيار التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي والدور الاجتماعي للدولة. وهو توجه أصبح يمثل أحد الثوابت في السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.
وتفيد المؤشرات الأولية حسب فحوى المجلس الوزاري بأن مشروع قانون المالية للسنة المقبلة سيواصل توفير الاعتمادات اللازمة لتمويل برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الفئات محدودة ومتوسطة الدخل ومواصلة تنفيذ البرامج الاجتماعية التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة، ومواصلة الإيفاء بالتعهدات المتعلقة بالتشغيل والتنمية الجهوية. كما انه من المنتظر أن يمنح مشروع القانون حيزا أكبر للاستثمار العمومي والخاص باعتباره القاطرة الأساسية لتحريك الدورة الاقتصادية.
ومن التوجهات الأخرى التي يعكسها المجلس الوزاري هو توجه الحكومة نحو مواصلة إصلاح المالية العمومية عبر تحسين تعبئة الموارد الذاتية للدولة ومقاومة التهرب الجبائي والاقتصاد الموازي والاعتماد بدرجة أكبر على الرقمنة في إدارة الجباية والاستخلاص. وهو ما يسمح بتوسيع قاعدة الموارد دون اللجوء إلى فرض أعباء إضافية على الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود. وينسجم ذلك مع توجه الدولة نحو تعزيز الاعتماد على إمكاناتها الذاتية في تمويل التنمية.
وفي المجال الاقتصادي، ينتظر أن يتضمن مشروع القانون حزمة من الإجراءات الرامية إلى تحسين مناخ الاستثمار وتيسير بعث المشاريع ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتسريع إنجاز المشاريع العمومية، باعتبار أن رفع نسق النمو الاقتصادي يمثل المدخل الأساسي لخلق مواطن الشغل وتحسين موارد الدولة على المدى المتوسط، كما يمثل احدى رافعات الصمود في مواجهة الأزمات الخارجية وتقلبات الاقتصاد العالمي بسبب الاضطرابات الجيوسياسية إقليميا ودوليا السائدة حاليا.
ويتماشى هذا التوجه مع ما فرضته الظروف الإقليمية والدولية على بلادنا من إعادة النظر في سياساتها المالية، والانتقال من منطق إدارة الميزانية في الظروف العادية إلى منطق بناء ميزانيات قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات الدولية. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الحكومة تعمل على وضع مشروع قانون مالية لسنة 2027 يرمي الى ترسيخ هذا التوجه وذلك من خلال اعتماد مقاربة تقوم على تعزيز المناعة الاقتصادية للدولة وتقليص مواطن الهشاشة المالية وضمان استمرارية تمويل المرافق العمومية والبرامج الاجتماعية مهما كانت التقلبات الخارجية.
وبالإضافة الى أخذ المعطيات والظروف الداخلية والخارجية في الاعتبار، فإنه انسجاما مع توجهات مخطط التنمية 2030-2026 القائمة على تحقيق تنمية أكثر عدلا وشمولا بين مختلف مناطق البلاد، فان المؤشرات الاولية تؤكد توجه قانون المالية للسنة المقبلة نحو ايلاء التوازن بين متطلبات التنمية الجهوية والنجاعة الاقتصادية اهتماما خاصا. وسيكون ذلك من خلال مواصلة توجيه الاستثمارات العمومية نحو الجهات الداخلية وتقليص الفوارق التنموية.
وفي هذا الإطار يجدر التذكير بأن مخطط التنمية 2030-2026 قد حدد أولويات واضحة تشمل تحديث البنية التحتية وتعزيز الأمن المائي وتسريع الانتقال الطاقي وتطوير النقل ودفع الرقمنة وتحسين الخدمات العمومية، وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها دون اعتمادات مالية كافية وآليات تنفيذ ناجعة. وهو ما يجعل قانون المالية لسنة 2027 الحلقة العملية الأولى في تجسيد هذه الخيارات، التي تترجم التوجه الذي اقره رئيس الجمهورية قيس سعيد في التعويل على الذات ودعم مقومات السيادة الاقتصادية واستقلالية القرار الوطني.
وعموما يؤكد المجلس الوزاري الذي انعقد أول أمس أن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يمثل مجرد وثيقة لتقدير الإيرادات والنفقات، وإنما يمثل أول اختبار عملي لمدى انسجام السياسة المالية مع مخطط التنمية 2030-2026. كما يمثل أداة أساسية لترجمة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية إلى برامج ممولة ومشاريع قابلة للتنفيذ، بما يجعل السنة المالية المقبلة مرحلة مفصلية في الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز.
اما المجلس الوزاري في حد ذاته فانه يكتسي أهمية استثنائية، وذلك بالنظر الى توقيت انعقاده، إذ جاء قبل أكثر من شهرين من الأجل الدستوري الأقصى لإحالة مشروع قانون المالية إلى مجلس نواب الشعب المحدد في 15 أكتوبر من كل سنة. وهو ما يعكس توجه الحكومة نحو الإعداد المبكر للميزانية وإتاحة الوقت الكافي لمختلف الوزارات لضبط برامجها واعتماداتها وفق الأولويات الوطنية.
العمل على استكمال المنصة الرقمية للكراء المملّك والبيع بالتقسيط ضمان تكافؤ الفرص في مجال السكن الاجتماعي
الصحافة اليوم: سناء بن سلامة يتواصل العمل على إعداد المنصة الرقمية للت…
