2026-08-11

انطلاق‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬لقانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027 من‭ ‬ميزانية‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬ميزانية‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬سناء‭ ‬بن‭ ‬سلامة

انعقد‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬مجلس‭ ‬وزاري‭ ‬مضيق،‭ ‬أشرفت‭ ‬عليه‭ ‬رئيسة‭ ‬الحكومة‭ ‬سارة‭ ‬الزعفراني‭ ‬الزنزري‭. ‬وقد‭ ‬خصص‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬الكبرى‭ ‬لمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027،‭ ‬ليمثل‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الفعلية‭ ‬لإعداد‭ ‬أول‭ ‬ميزانية‭ ‬سنوية‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬إعداد‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2030-2026‭.‬

ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬فان‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬امتداد‭ ‬لقانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬الحالية،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬استعادة‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬العمومية‭ ‬نحو‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬والإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2030-2026‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المشروع‭ ‬المرتقب‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لاعتباره‭ ‬الحلقة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الأولى‭ ‬للخيارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬الدولة‭ ‬للسنوات‭ ‬الخمس‭ ‬المقبلة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬فانه‭ ‬خلافا‭ ‬للسنوات‭ ‬الماضية‭ ‬التي‭ ‬انصب‭ ‬فيها‭ ‬الاهتمام‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬وترشيد‭ ‬النفقات‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬المرفق‭ ‬العمومي‭ ‬والوفاء‭ ‬بالتعهدات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬الجديد‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطا‭ ‬بتمويل‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الحكومة‭ ‬أظهرت‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للدولة‭. ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬أصبح‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬الثوابت‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

وتفيد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأولية‭ ‬حسب‭ ‬فحوى‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬بأن‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬المقبلة‭ ‬سيواصل‭ ‬توفير‭ ‬الاعتمادات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتمويل‭ ‬برامج‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬ودعم‭ ‬الفئات‭ ‬محدودة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬ومواصلة‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إطلاقها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ومواصلة‭ ‬الإيفاء‭ ‬بالتعهدات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتشغيل‭ ‬والتنمية‭ ‬الجهوية‭. ‬كما‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬حيزا‭ ‬أكبر‭ ‬للاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬والخاص‭ ‬باعتباره‭ ‬القاطرة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتحريك‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ومن‭ ‬التوجهات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يعكسها‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬هو‭ ‬توجه‭ ‬الحكومة‭ ‬نحو‭ ‬مواصلة‭ ‬إصلاح‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬الذاتية‭ ‬للدولة‭ ‬ومقاومة‭ ‬التهرب‭ ‬الجبائي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الموازي‭ ‬والاعتماد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الرقمنة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الجباية‭ ‬والاستخلاص‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الموارد‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬أعباء‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭. ‬وينسجم‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬توجه‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬إمكاناتها‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬التنمية‭.‬

وفي‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتيسير‭ ‬بعث‭ ‬المشاريع‭ ‬ودعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬وتسريع‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬نسق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يمثل‭ ‬المدخل‭ ‬الأساسي‭ ‬لخلق‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭ ‬وتحسين‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬كما‭ ‬يمثل‭ ‬احدى‭ ‬رافعات‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬الخارجية‭ ‬وتقلبات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بسبب‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬إقليميا‭ ‬ودوليا‭ ‬السائدة‭ ‬حاليا‭.‬

ويتماشى‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬فرضته‭ ‬الظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬على‭ ‬بلادنا‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭ ‬المالية،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬إدارة‭ ‬الميزانية‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬بناء‭ ‬ميزانيات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬مالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬يرمي‭ ‬الى‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬المناعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدولة‭ ‬وتقليص‭ ‬مواطن‭ ‬الهشاشة‭ ‬المالية‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬تمويل‭ ‬المرافق‭ ‬العمومية‭ ‬والبرامج‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬التقلبات‭ ‬الخارجية‭.‬

وبالإضافة‭ ‬الى‭ ‬أخذ‭ ‬المعطيات‭ ‬والظروف‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬فإنه‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬توجهات‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2030-2026‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬أكثر‭ ‬عدلا‭ ‬وشمولا‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد،‭ ‬فان‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاولية‭ ‬تؤكد‭ ‬توجه‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬المقبلة‭ ‬نحو‭ ‬ايلاء‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬الجهوية‭ ‬والنجاعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اهتماما‭ ‬خاصا‭. ‬وسيكون‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مواصلة‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬نحو‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬وتقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬التنموية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يجدر‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2030-2026‭ ‬قد‭ ‬حدد‭ ‬أولويات‭ ‬واضحة‭ ‬تشمل‭ ‬تحديث‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬المائي‭ ‬وتسريع‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬وتطوير‭ ‬النقل‭ ‬ودفع‭ ‬الرقمنة‭ ‬وتحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية،‭ ‬وهذه‭ ‬الأهداف‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقها‭ ‬دون‭ ‬اعتمادات‭ ‬مالية‭ ‬كافية‭ ‬وآليات‭ ‬تنفيذ‭ ‬ناجعة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬الحلقة‭ ‬العملية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تجسيد‭ ‬هذه‭ ‬الخيارات،‭ ‬التي‭ ‬تترجم‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬اقره‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬ودعم‭ ‬مقومات‭ ‬السيادة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬واستقلالية‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭.‬

وعموما‭ ‬يؤكد‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬الذي‭ ‬انعقد‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬أن‭ ‬إعداد‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬وثيقة‭ ‬لتقدير‭ ‬الإيرادات‭ ‬والنفقات،‭ ‬وإنما‭ ‬يمثل‭ ‬أول‭ ‬اختبار‭ ‬عملي‭ ‬لمدى‭ ‬انسجام‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬مع‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2030-2026‭. ‬كما‭ ‬يمثل‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لترجمة‭ ‬الخيارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬ممولة‭ ‬ومشاريع‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭ ‬المقبلة‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬إلى‭ ‬الإنجاز‭.‬

اما‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬فانه‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية،‭ ‬وذلك‭ ‬بالنظر‭ ‬الى‭ ‬توقيت‭ ‬انعقاده،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬الأجل‭ ‬الدستوري‭ ‬الأقصى‭ ‬لإحالة‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب‭ ‬المحدد‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توجه‭ ‬الحكومة‭ ‬نحو‭ ‬الإعداد‭ ‬المبكر‭ ‬للميزانية‭ ‬وإتاحة‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لمختلف‭ ‬الوزارات‭ ‬لضبط‭ ‬برامجها‭ ‬واعتماداتها‭ ‬وفق‭ ‬الأولويات‭ ‬الوطنية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

العمل‭ ‬على‭ ‬استكمال‭ ‬المنصة‭ ‬الرقمية‭ ‬للكراء‭ ‬المملّك‭ ‬والبيع‭ ‬بالتقسيط ‭ ‬ضمان‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السكن‭ ‬الاجتماعي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬سناء‭ ‬بن‭ ‬سلامة يتواصل‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬المنصة‭ ‬الرقمية‭ ‬للت…