دفع الاستثمار في صدارة الأولويات: بين الإصلاحات المنتظرة ورهان تعبئة الموارد الوطنية
الصحافة اليوم: عواطف السويدي
يُعدّ الاستثمار أحد أهم المحركات الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق مواطن الشغل، وهو اليوم في صدارة أولويات تونس التي تسعى إلى استعادة نسق التنمية وتحسين مؤشرات الاقتصاد الوطني في ظل تحديات مالية واقتصادية متواصلة.
فإلى جانب الحاجة إلى رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية المؤسسات، يمثل الاستثمار الحلقة الأساسية التي تربط بين الإصلاحات الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة، سواء عبر تشجيع المبادرة الخاصة أو استقطاب رأس المال الأجنبي أو تعبئة الموارد الوطنية.
ورغم امتلاك تونس العديد من المقومات، من موقع جغرافي استراتيجي، وموارد بشرية مؤهلة، وقاعدة صناعية متنوعة، واتفاقيات شراكة مع أسواق إقليمية ودولية، فإن نسق الاستثمار لا يزال دون مستوى الطموحات. ويرجع ذلك إلى جملة من التحديات، أبرزها تعقيدات الإجراءات الإدارية، وطول آجال إنجاز المشاريع، وصعوبة النفاذ إلى التمويل، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من الاستقرار التشريعي والجبائي، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في قرارات المستثمرين.
وفي هذا الإطار، تراهن الدولة على مخطط التنمية 2030-2026 لإعطاء دفعة جديدة للاستثمار العمومي والخاص، من خلال إطلاق مشاريع كبرى في البنية التحتية، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير الخدمات الرقمية، وتشجيع الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة، على غرار الصناعات التكنولوجية، والاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، باعتبارها قطاعات قادرة على تحقيق نمو مستدام وخلق فرص عمل ذات كفاءة عالية.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى تسجيل بوادر تحسن في تدفقات الاستثمار، إذ بلغت الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى تونس خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 نحو 839 مليون دينار، منها 825 مليون دينار استثمارات أجنبية مباشرة، مع مواصلة القطاع الصناعي تصدره للقطاعات الأكثر استقطابا للاستثمارات. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن الخبراء يؤكدون أن تحقيق نقلة نوعية يتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، خاصة في ما يتعلق بتبسيط الإجراءات الإدارية، ورقمنة الخدمات، وتحسين مناخ الأعمال، وتوفير مناخ أكثر استقرارا للمستثمرين.
وفي موازاة الجهود الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، تتجه تونس نحو مراجعة الإطار التشريعي المنظم للاستثمار، حيث تواصل لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة بمجلس نواب الشعب مناقشة تنقيح قانون الاستثمار لسنة 2016. وتهدف هذه الإصلاحات إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الرقمنة، واعتماد مبدإ الرقابة اللاحقة بدل التراخيص المسبقة، إلى جانب إقرار حوافز جبائية ومالية أكثر تنافسية وتشجيع الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة، بما يعزز جاذبية تونس للاستثمار المحلي والأجنبي.
ولا يقتصر دفع الاستثمار على استقطاب المستثمرين الأجانب فقط، بل يمر أيضا عبر تحفيز الاستثمار المحلي، باعتباره المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي. فالمؤسسات التونسية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، تحتاج إلى منظومة تمويل أكثر مرونة، وإلى حوافز تشجعها على التوسع ورفع قدرتها التنافسية، فضلا عن تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإنجاز المشاريع الكبرى في مجالات النقل والطاقة والبنية الأساسية والخدمات.
كما يمثل تحقيق العدالة التنموية بين الجهات أحد أبرز رهانات الاستثمار في تونس. فالمناطق الداخلية بحاجة إلى مزيد من المشاريع المهيكلة، والبنية التحتية، والمناطق الصناعية، والحوافز الجبائية، بما يمكن من استقطاب المستثمرين وتقليص الفوارق التنموية. ويؤكد المختصون أن توجيه الاستثمارات نحو الجهات ذات الأولوية من شأنه أن يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة، ويساهم في الحد من البطالة والهجرة الداخلية.
التونسيون بالخارج… من التحويلات المالية إلى الاستثمار المنتج
وفي سياق تعبئة الموارد الوطنية، يبرز التونسيون المقيمون بالخارج كأحد أهم الروافد القادرة على دعم الاستثمار. فقد بلغت تحويلاتهم المالية نحو 8.8 مليار دينار خلال سنة 2025، مع توقعات بتجاوز 9 مليارات دينار سنة 2026، وهو ما يجعلها من أهم مصادر العملة الصعبة بالنسبة للاقتصاد الوطني. غير أن التحدي اليوم لا يكمن فقط في حجم هذه التحويلات، بل في كيفية توجيه جزء أكبر منها نحو الاستثمار المنتج.
وفي هذا الاطار، دعا رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، سمير ماجول، إلى تحويل خبرات وكفاءات التونسيين بالخارج، إلى جانب تحويلاتهم المالية، إلى مشاريع استثمارية ذات قيمة مضافة، معتبرا أن الجالية التونسية تمثل رأس مال اقتصادي وبشري قادرا على المساهمة في دفع النمو وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، إذا ما توفرت بيئة أعمال أكثر جاذبية وآليات مرافقة فعالة.
من جهته، اعتبر رئيس منظمة كوناكت، أصلان بن رجب، أن دور التونسيين بالخارج يجب ألا يقتصر على دعم الاحتياطي من العملة الصعبة، بل ينبغي أن يتحولوا إلى شركاء حقيقيين في التنمية، عبر الاستثمار المباشر ونقل الخبرات وربط الاقتصاد التونسي بشبكات الأعمال الدولية. كما دعا إلى إنشاء منصة وطنية رقمية تربط الكفاءات التونسية بالخارج باحتياجات الاقتصاد الوطني، إلى جانب تطوير أدوات تمويل حديثة وصناديق استثمار موجهة للجالية.
وتتقاطع هذه المقترحات مع التوصيات التي تم تقديمها خلال الندوة الإقليمية للتونسيين بالخارج، والتي شملت الدعوة إلى إعداد استراتيجية وطنية خاصة بالجالية، وإحداث منصة رقمية موحدة لتسهيل الاستثمار عن بعد، وإطلاق صندوق استثمار خاص بالتونسيين بالخارج، إلى جانب إصدار سندات تنموية وصكوك موجهة إلى تمويل المشاريع الكبرى، مع منح امتيازات إضافية للمستثمرين الراغبين في بعث مشاريع بالجهات الداخلية.
ويبقى نجاح هذه المبادرات مرتبطا بمدى قدرة تونس على توفير مناخ استثماري يقوم على الشفافية، وتسريع الإجراءات، واستقرار القوانين، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمستثمر. فالمنافسة الإقليمية على استقطاب الاستثمارات أصبحت أكثر حدة، ولم يعد حجم الحوافز المالية وحده كافيا، بل أصبحت جودة الخدمات، وسرعة اتخاذ القرار، والحوكمة الرشيدة، عناصر حاسمة في اختيار وجهة الاستثمار.
نحو إرساء منظومة وطنية موحّدة لتقييم برامج التشغيل.. الحكومة تراهن على الحوكمة وقياس النتائج
الصحافة اليوم: عواطف السويدي يتّجه ملف التشغيل في تونس نحو مرحلة جديدة عنوانها تقييم النجا…
