تونس تحتفي بالعيد الوطني للمرأة التونسية: 70 سنة من المكاسب ورهانات جديدة للتّمكين الاقتصادي
الصحافة اليوم: عواطف السويدي
تحتفي تونس، اليوم الخميس 13 أوت 2026، بالعيد الوطني للمرأة التونسية، في ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، إحدى أبرز المحطات التشريعية التي أرست جملة من الحقوق لفائدة المرأة التونسية ورسّخت حضورها في المجتمع والدولة.
وتأتي الذكرى هذه السنة في سياق يتجاوز الاحتفال الرمزي بالمكاسب التاريخية للمرأة، ليركّز على دعم حضورها الاقتصادي والعلمي والثقافي، وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، إلى جانب تثمين التجارب النسائية الناجحة في مختلف الجهات.
وقد اختارت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أن تمتد الاحتفالات من 6 إلى 13 أوت الجاري، من خلال برنامج متنوع شمل لقاءات علمية وتظاهرات جهوية ومبادرات اقتصادية وتكريمات للنساء المتميزات.
يمثل 13 أوت بالنسبة إلى التونسيين محطة وطنية مرتبطة بتاريخ الإصلاح الاجتماعي والتشريعي، باعتبار أن مجلة الأحوال الشخصية، الصادرة في 13 أوت 1956، أحدثت تحولات عميقة في وضع المرأة والأسرة، وأصبحت على امتداد عقود إحدى أهم ركائز المنظومة القانونية المنظمة للعلاقات الأسرية.
وبعد سبعة عقود من صدورها، لم يعد السؤال المطروح يقتصر على حجم المكاسب القانونية التي تحققت، وإنما أصبح مرتبطا بمدى تحويل هذه المكاسب إلى واقع اجتماعي واقتصادي أكثر إنصافا، خاصة في ظل استمرار تحديات مرتبطة بالاستقلال الاقتصادي للمرأة، ودعم النساء في الجهات، وتسهيل وصول صاحبات المشاريع إلى التمويل والأسواق.
وفي هذا الاتجاه، تضمن برنامج الاحتفال هذه السنة مبادرات تستهدف المرأة صاحبة الفكرة والمشروع، إلى جانب دعم المنتوجات النسائية وفتح مزيد من قنوات التسويق أمام صاحبات المشاريع.
ريادة الأعمال النسائية في صدارة الاهتمام
ومن أبرز المبادرات التي تم إطلاقها يوم 10 أوت الجاري المبادرة الوطنية لتوحيد مسار ريادة الأعمال النسائية من الفكرة إلى ما بعد الإنجاز، وهي مبادرة تقوم على مرافقة صاحبات الأفكار والمشاريع خلال مختلف مراحل المشروع.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى الانتقال من مجرد تشجيع المرأة على بعث المشاريع إلى توفير منظومة متكاملة ترافقها في مراحل التأسيس والتطوير والتسويق والاستدامة.
كما تم تنظيم معارض جهوية لتسويق المنتوجات النسائية من 11 إلى 13 أوت، بالتوازي مع إطلاق المنصة الوطنية لتسويق المنتوجات النسائية يوم أمس 12 أوت، بما يفتح نافذة إضافية أمام صاحبات المشاريع والحرفيات للوصول إلى المستهلكين والأسواق.
وتعكس هذه المبادرات توجّها نحو ربط الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة بمسألة التمكين الاقتصادي، باعتبار أن الاستقلال الاقتصادي يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتعزيز قدرة المرأة على المبادرة وصنع القرار.
وفي السياق ذاته، احتضنت مختلف ولايات الجمهورية الدورة الرابعة من تظاهرة اناجحات ببلاديب، التي تهدف إلى تسليط الضوء على نساء حققن نجاحات وأثّرن في محيطهن المحلي في مجالات متعددة.
وشملت التكريمات نساء ناشطات في قطاعات مختلفة، من بينها الصحة والفلاحة والصناعات التقليدية والفن، في محاولة لإبراز نماذج النجاح النسائي خارج الصورة التقليدية التي تحصر التميز في المدن الكبرى أو في قطاعات محددة.
ويكتسب هذا البعد الجهوي أهمية خاصة، باعتبار أن جزءا من التحديات التي تواجه المرأة التونسية يرتبط بالفوارق بين الجهات وبمدى توفر فرص العمل والتمويل والتكوين والتسويق.
المرأة والبحث العلمي.. حضور متصاعد
ولم يغب البعد العلمي عن احتفالات هذه السنة، حيث تم إسناد جائزة أفضل بحث علمي نسائي في تونس لسنة 2026 حول موضوع اابتكارات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن المائي والغذائيب إلى الباحثة خولة الخميري المختصة في الهندسة المائية والأرصاد الجوية والمائية عن بحثها بعنوان اأثر التغيّرات المناخية والضغوطات البشرية على موارد المياه الزرقاءب.
ويحيل اختيار هذا الموضوع إلى التقاطع المتزايد بين البحث العلمي وقضايا التنمية المستدامة، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من النقاش حول الأمن الغذائي والمائي.
وتبرز المؤشرات التي قدمتها وزارة الأسرة، في هذا السياق، الحضور اللافت للنساء في التعليم العالي، إذ تمثل الطالبات 66.8 بالمائة من إجمالي طلبة التعليم العالي، بما يؤكد اتساع قاعدة حضور المرأة في المسار الأكاديمي والعلمي.
غير أن ارتفاع حضور النساء في الجامعات والاختصاصات العلمية يطرح بدوره سؤالا حول مدى انعكاس هذا التقدم الأكاديمي على مواقع القرار والبحث والابتكار وعلى سوق الشغل، وهي معادلة تظل من أبرز رهانات المرحلة المقبلة.
كما تضمن برنامج الاحتفال هذا العام إسناد الجائزة الوطنية زبيدة بشير للكتابات النسائية التونسية لسنة 2025، إلى جانب تكريم نخبة من النساء التونسيات المتميزات.
وتحمل الجائزة رمزية خاصة باعتبارها مرتبطة بتثمين الكتابة والإبداع النسائي، وبإبراز مساهمة المرأة التونسية في المجال الثقافي والفكري، بما يؤكد أن حضورها لا يقتصر على المجالات الاقتصادية والعلمية، وإنما يمتد كذلك إلى صناعة الثقافة والمعرفة.
تقييم المسار
وبين ذكرى مجلة الأحوال الشخصية ومبادرات ريادة الأعمال والبحث العلمي والثقافة، تبدو صورة المرأة التونسية اليوم أكثر تعقيدا وتنوعا من مجرد الاحتفاء بمكاسب الماضي.
فالمرأة التونسية حاضرة في الجامعة والبحث العلمي، وفي كافة المؤسسات والإدارة وأجهزة الدولة، وفي الفلاحة والصناعات التقليدية والفن وريادة الأعمال، كما تواصل آلاف النساء في مختلف الجهات بناء تجارب اقتصادية واجتماعية رغم الصعوبات.
لكن الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة يظل أيضا مناسبة لطرح الأسئلة حول ما تبقى من تحديات، وحول قدرة السياسات العمومية على تحويل الطاقات والكفاءات النسائية إلى فرص فعلية، خاصة في الجهات الداخلية، وعلى ضمان استدامة المشاريع النسائية وربطها بالأسواق والتمويل والتكوين.
وبعد سبعين عاما من صدور مجلة الأحوال الشخصية، تبدو المعركة الجديدة مختلفة: لم تعد فقط معركة من أجل الاعتراف بالحقوق، وإنما أيضا من أجل تكافؤ الفرص، والاستقلال الاقتصادي، والمشاركة الفعلية في صنع القرار، وتحويل الكفاءة النسائية إلى قوة دفع للتنمية.
تامر عاشور في أول حفله بمهرجان قرطاج الدولي: يــعـــيـد الإعـتـبـار للأغـنـيـة الـعـــــــــــــــــــــــــاطــفـيـة
الصحافة اليوم:عواطف السويدي في سهرة السبت 8 أوت 2026، وضمن فعاليات ا…
