2026-03-28

الزيادة في الأجور في تونس: ضرورة اجتماعية تفرضها الظروف المعيشية

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحوّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تعود‭ ‬مسألة‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬بقوة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بارتفاع‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نسقًا‭ ‬تصاعديًا‭ ‬لافتًا،‭ ‬شمل‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والخدمات،‭ ‬وحتى‭ ‬الإيجار‭ ‬وهذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬المتواصل‭ ‬خلق‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬الشهري‭ ‬للموظف‭ ‬ومصاريفه‭ ‬اليومية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬العيش‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬كآلية‭ ‬مباشرة‭ ‬لتحسين‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬إذ‭ ‬تمكّن‭ ‬الموظف‭ ‬من‭ ‬مجاراة‭ ‬نسبيّة‭ ‬لنسق‭ ‬الغلاء‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬خبراء‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حلًا‭ ‬سحريًا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تترافق‭ ‬مع‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬تشمل‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬ودعم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭. ‬فرفع‭ ‬الأجور‭ ‬دون‭ ‬إنتاجية‭ ‬موازية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغذية‭ ‬التضخم،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬المشكلة‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الصفر‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يرى‭ ‬ممثلو‭ ‬الشغالين‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ويؤكدون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الزيادات‭ ‬السابقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬أمام‭ ‬التضخم‭ ‬المتسارع،‭ ‬مشيرين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأجر‭ ‬الحقيقي‭ (‬أي‭ ‬بعد‭ ‬احتساب‭ ‬التضخم‭) ‬شهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

أما‭ ‬بخصوص‭ ‬نسبة‭ ‬الزيادة‭ ‬المنتظرة،‭ ‬فتتراوح‭ ‬تطلعات‭ ‬الموظفينروفق‭ ‬تقديرات‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬بين‭ ‬6.5‭ % ‬و‭ ‬7‭ % ‬للسنة‭ ‬الواحدة‭ ‬كحد‭ ‬أدنى،‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭. ‬ويرى‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬زيادة‭ ‬تقلّ‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السقف‭ ‬لن‭ ‬تحقق‭ ‬الغاية‭ ‬المرجوة،‭ ‬بل‭ ‬ستكون‭ ‬مجرّد‭ ‬إجراء‭ ‬ظرفي‭ ‬لا‭ ‬يواكب‭ ‬الارتفاع‭ ‬الفعلي‭ ‬للأسعار‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تميل‭ ‬بعض‭ ‬المقاربات‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬اقتراح‭ ‬زيادات‭ ‬تدريجية‭ ‬أو‭ ‬مجزّأة،‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬إمكانيات‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬والالتزامات‭ ‬الدولية‭.‬

وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬إشكالية‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬فالدولة‭ ‬مطالبة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬بحماية‭ ‬الفئات‭ ‬الضعيفة‭ ‬وضمان‭ ‬حدّ‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬الكريم،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬وتفادي‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬والتداين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬بدورها‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة،‭ ‬بين‭ ‬الاستجابة‭ ‬لمطالب‭ ‬الأجراء‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬ديمومتها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تنافسية‭.‬

كما‭ ‬تبدو‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مطلب‭ ‬نقابي‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬عنوان‭ ‬لمرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬دقيقة‭ ‬تتطلب‭ ‬حلولًا‭ ‬شاملة‭ ‬ومتوازنة‭. ‬فنجاح‭ ‬أي‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬يظلّ‭ ‬رهين‭ ‬رؤية‭ ‬إصلاحية‭ ‬أوسع،‭ ‬تضمن‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ومقاومة‭ ‬الاحتكار،‭ ‬ودعم‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للاقتصاد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %

يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …